مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٤

الأشرطة والأقراص، لنجد لتلك الدُّروس ما نجد من المتعة واللَّذَّة، فتشدُّنا إلى متابعتها شدًّا، وكأنَّ الشيخ: يعيش واقعنا الذي نحياه بعد ثلاثين عامًا من وفاته. وتلك لعمري ميزة من يفهم كتاب الله حقَّ الفهم، ويعيه تمام الوعي، ويبلِّغه أحسن تبليغ، - وإن عزَّ اليوم مثل هذا النوع من العلماء الربَّانيِّين - هذا ما لمسناه من الشَّيخ بيُّوض:، الذي كان قرآنا يمشي على رجلين بين أحبابه، كما كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - رسولا يعيش بين أصحابه؛ فاستطاع بذلك أن يمتلك قلوب شانئيه قبل قلوب محبِّيه، وأن يبني مجتمعا فاضلا يعيش القرآن بين جوانبه، ويسري الهدى في أوصاله، وهذا ما يفتقده كثير ممَّن اتَّخذوا القرآن ميدانا لتباري الأقلام والأقوال، لا ميدانا لتجسيد الحقائق والأعمال، الشيء الذي يجعل القرآنَ يُرفع شعارًا، أو يُتستَّر به دثارًا.

إنَّ المرء إذا راح يتأمل ما خلَّفه الشيخ بيوض: من تراث معرفي ضخم، طوال سبعين عاما من الكفاح العلمي، خلَّده في الرؤوس، أو سطَّره في الطروس، أو سجَّله في الدروس، أو غرسه في النفوس، ليندهش عجَبًا من سعة علمه، وغزارة نبعه، وصفاء معينه، ونقاء بديعه، حتىَّ ليتخيَّل المرء نفسه أمام موسوعة علمية كاملة، أو تجاه دائرة معارف شاملة، يلتمس منه غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم ما شاء من دقيق الفنون، كما تمتصُّ النحلةُ رحيق مختلف الزهور وهي تحوم في مريج الجنان، وقد لا أكون مخطئا إن قلت لعلني أكثرُكم للشيخ استماعا لا استيعابا، وعلى ميراثه انكبابا، لا لشخصه اصطحابا، أجدني أقفُ حيرانا أمام هذا العبقري الفذِّوالعصاميِّ الفحل، الذي ارتقى يافعًا عمرُه مصافَّ العلماء، واعتلى طرًّا شاربُه مضمار الزعماء، وبلغ في أول عمره ما لا يبلغه غيره في آخره، فتعدَّدت جوانبُ شخصيته، وتعالت مراتب سؤدده، هذا الذي يجعل الفكر اللبيب يحار فيثير جملة من الإشكالات، أو يطرح حزمة من التساؤلات: من أين اكتسب الشيخ بيُّوض كلَّ هذه العلوم المتعددة، وكيف تحصَّل على كلِّ تلك المعارف المتنوعة، في أيِّ كلية درج، ومن أيٍّ جامعة خرج، ومن هم الأساتذة الذين خرَّجوه وصنعوه، وكيف استطاع أن يستوعب كلَّ تلك العلوم، ويبرَّز في كلِّ تلك الفنون، ويتبوَّأ أستاذًا نابغا وعلما فذًّا لا يشق له غبار، تشدُّ إلى رحابه الرِّكاب، وتسير بذكره الركبان؟

إنَّني لن أحدِّثكم ولن أستطيع مهما أوتيت من فصاحة وقوَّة بيان، وحكمة وفصل خطاب عن تليد أمجاده، وجليل أعماله التي بزَّ فيها أقرانا، وطاول السماء أعنانا، وركب المجد أفنانا، فكان كما البحتريُّ:

٢١٢ / ٣٣٣