مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٣

دانٍ على أيدي العُفاةِ وشاسِعٌ عن كلِّ ندٍّ في النَّدى وضَرِيبُ

كالبدرِ أفرَطَ في العُلوِّ وضوؤُه للعصبةِ السَّارينَ جِدُّ قريبُ

فهل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض العالمِ النِّحرير الذي بلغ من العلم مداه، وتردَّد في الكون صداه؟

أم هل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض المفسِّر الملهم، الذي أمضى سوادَه وبياضَه في رحاب القرآن صائلا، لأسمى معانيه صائغا، ولأسنى درره غائصا، حتَّى لانت له بدائع آياته في فهم سديد، كما لانت للنبيء داود؛ سبائك الحديد؟

أم هل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض المصلح الاجتماعيِّ الذي حلب الدهرَ أشطره، وفتله بين ذروته وغاربه، وعرف سياسة العباد، وخبر طبائع الاستبداد، فكان لأمَّته خيرة الرُّواد، سالكا بها سبيل الرَّشاد؟

أم هل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض المعلِّم العبقريِّ، والأستاذ الألمعيِّ الذي أحنت ظهرَه قرونٌ من أبناء الأمَّة المتعاقبين، واستضاءت من نوره بدور في الخافقين، فكانوا في دجى الليالي هداة للسالكين؟

أم هل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض الرَّجل السياسيِّ المحنَّك الذي دخل كواليسها، وأتقن ألاعيبها، وسلم من أحابيلها، وبلغ بدهائه أقصى مراقيها؟

إنَّني لن أجد الآن من الوقت الكافي، ومن الإصغاء الضافي، ما يجعلني أستعرض مع حضراتكم الحسيبة، وبين رياضكم الخصيبة، الأسباب التي تضافرت فأخرجت لنا هذا الطود العلم - ما أكثرها- والريَّاح التيِّ تلاقحت فتمخَّضت عن هذا الطود الأشمِّ -وما أطيبها- فلكلٍّ منها وقفة خاصَّة تستوجب علينا جميل العرض لاستيفاء الغرض، وحسنَ الأداء ليتم الاقتداء، وفي مثله حقًّا يصدق قول أبي نواس:

أوجده الله فما مثله لطالب ذاك ولا ناشدُ

وليس على الله بمستنكرٍ أن يجمع العالَم في واحدِ

واسمحوا لي أيَّها السادة الأكارم، يا من تَنشُدُونَ الأسوة من الأعاظم، وتستمدُّون القدوة من الأكارم، أن أقف معكم مع سبب واحد من تلك الأسباب ولا أزيد، أجعله

٢١٣ / ٣٣٣