مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥يجيب الشَّيخ بيُّوض: قائلا: «ليس لي في هذه الحياة شيءٌ غير القراءة، فهي هوايتي، وهي لذَّتي، وأودُّ أنْ أقضي فيها يومي كلَّه، ليلي ونهاري، إنَّها ألذُّ شيء لي في هذه الحياة، وإنَّني لا أشبع منها أبدًا. وهوايتي الأخرى هي التَّدريس والتقرير، وإنَّ ألذَّ ساعات حياتي مُقامي أمام الطلبة وقت الدرس». اهـ.
لعلَّ أكثرنا اليوم لا يستطيب إدمان الجلوس مع خير جليس في الزمان، ولا يتمتَّع بحلاوة المداومة على القراءة حيثما كان، ولا يتلذَّذ من الاغتراف من ودك ملازمة المطالعة في كلِّ آن، لأنَّها مركَّزة بنسبة عالية لا يقوى عليها إلاَّ من سلم فكره من رواسب مسكَّرات اللَّهو، ولا يسعى إليها إلاَّ من امتنع ذهنه من مخلَّفات دهونات الدعة، أمثال شيخنا الذي كان يردِّد كثيرًا مقولة شاعر الفقهاء، الإمام الشافعي::
سهري لتنقيحِ العلومِ ألذُّ لِي من وَصْلِ غانيةٍ وطيبِ عِناقِ
وصريرُ أقلامي على صَفَحاتِها أحلَى من الدَّوكاءِ والعُشَّاقِ
وتمايلي طربا لحلِّ عويصة في الدرس أشهى من مدامة ساقي
أأبيت سهران الدَّجى وتبيته نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي
وكم كان يُعجب كثيرا بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي، وبخاصَّة قوله:
أنا من بدَّل بالكُتْبِ الصِّحابَا ولم أجد لي وفيًّا إلاَّ الكتابَا
كلَّما أخلقْتُهُ جَدَّدَني وكسانِيمن حُلَيِّ الفضْل ثيابَا
صُحبَةٌ لم أشُكَّ منها رِيبَةً ووِدَادٌ لم يكلِّفني عِتَابَا
إنَّ للنبوغ علامات مبكرة تظهر في السنوات الأولى من عمر الطفل، بل في أيامه الأولى بما يبدو عليه من اهتمام متميز، وتركيز ملفت، تجعل ممَّن يلاحظ تصرفاته ويتابع حركاته يتوسم فيه مستقبلا واعدًا، وعمرًا ماجدًا، وتأريخًا خالدًا، على قول الشاعر الفحل أبي تمَّام:
لَهفي عَلى تِلكَ الشَواهِدِ فيهِما لَو أُمهِلَتُ حَتَّى تَكونَ شَمائِلا
إِنَّ الهِلالَ إِذا رَأَيتَ نُمُوَّهُ أَيقَنتَ أَن سَيَكونُ بَدراً كامِلا