مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

وهذا ما بدا في الولد إبراهيم بن عمر بيوض، في سنِّه المبكرة جدًّا كما سنتبيَّنه من خلال مراحل تعلُّمه خلال العشرين سنة من عمره، وما بذله من جهود مضنية في السنوات العجاف التيِّ مرَّت بها الجزائر تحت نير ظلمة الاستعمار الفرنسي الذي يخنق كلَّ نفس للعلم، وكلَّ حشرجة للتعلُّم، وبخاصة جنوب الجزائر الذي يرزح تحت وطأة الحكم العسكري الغاشم الذي ينوء بكلكله على صدور العلماء والمحاريب، ويطيح بجبروته بالمدارس والكتاتيب، ويطمس كلَّ مشكاة يشعُّ منها قبس من نور العلم والإيمان. وسنعرض في بحثنا هذا إلى أربعة مراحل:

*- أوَّلا: الطفولة المنزلية، (مرحلة الحضانة)

*- ثانيا: كُتَّاب الشيخ الحاج محمد بن يوسف العطفاوي، (مرحلة التعليم الابتدائي)

*- ثالثا: معهد الحاج إبراهيم الإبريكي، (مرحلة التعليم المتوسط)

*- رابعا: معهد الحاج عمر بن يحيى (مرحلة التعليم الثانوي)

مرحلة الطفولة والصبا (مرحلة الحضانة) 1316 - 1322هـ/ 1899 - 1905م

كانت دار الولد إبراهيم شهيرة في البلد، يقصدها كثير من أهل البادية، لما يقام فيها من أعمال يدوية متميزة وبخاصة النسيج، ولما عرف عن أهلها من كرم وسخاء، وكان إبراهيم وهو في سنِّ الثالثة من عمره يجلس أمام المنسج يستمع إلى مربيته حليمة بنت عيسى بن أمعمَّر، وهي من قبيلة المذابيح في غرداية، تنشد أغاني باللُّغة العربية، ثم يستفزه نغمها فيغني معها فيسحر بصوته العذب الرخيم من في المنسج من النساء فيسكتن معجبات، ويستمرُّ إبراهيم في الترنم وهنَّ يرجعن معه. ولهذا نستطيع أن نقول: إنَّه إذا كان من عادة الناس أن يرسلوا أبنائهم إلى البادية ليتعلموا فصاحة اللِّسان وسلامة النطق، فإنَّ البادية هي التيِّ انتقلت إلى بيت إبراهيم فتعلَّم منها ما شاء من الفصاحة، كما عرف إبراهيم بحسن الأداء وجمال الصوت، إذ كان يحفظ كثيرا من الأناشيد والقصائد والمدائح، يترنَّم بها، ويغنِّي بها زملاءه فيطربهم، ولمَّا شبَّ صار من أكبر المنشدين الذين يرأسون حفلات الأناشيد الدينية، في الأعراس، والمحافل والمناسبات، وهذا من أسباب فصاحته، ولا يزال في جمال صوته حتىَّ في كبره، وإنَّ قراءته المولودية في حفل المولد النبوي الشريف في المسجد ليلا، وفي داره نهارا لخير دليل.

٢١٦ / ٣٣٣