مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

مُرتحلٌ والعارية مردودة»، ولم يفارق هذا الحديث لساني وأنا في الشارع وفي الميضأة وفي الكتَّاب، وبقدر ما حاولت مدارسة القرآن لم يطاوعني لساني، ونفسي لا تزداد إلاَّ انقباضا، حتىَّ نُعي إليَّ وفاة شيخي فحزنت حزنًا شديدًا، فسرتُ في جنازته وأنا أجهش بالبكاء، ومكثتُ ثلاثة أيَّام أقرأ على قبره القرآن من العشاء إلى الفجر. وهذه الحادثة تثبت العلاقة الروحيَّة التي تربط بين الأستاذ النَّصوح والطالب المخلص، إذ تتجاوز نطاق العلاقة الماديَّة التعليميَّة المحضة إلى علاقة أسمى، وإحساس أرقى، وشعور أذكى».لذلك يعقِّب الشَّيخ بيُّوض: على هذه الفترة التي قضاها في معهد الشَّيخ الابريكي بقوله: «أرى أنَّ الفضل الأكبر عليَّ لهذه الفترة التي زوَّدتني بالعلم وكوَّنتني في كلِّ شيء، وهي أهمُّ فترات التَّعليم والتَّكوين في حياتي، ولهذا المربِّي العظيم شيخي الابريكي:، فهو الذي فتح ذهني، وخلق فيَّ نهمًا وشغفًا بالمطالعة، والاعتماد على النَّفس في الدُّروس، فبدأت مطالعتي في الكتب، والكتاب الأوَّل الذي قرأته هو فتوح الشَّام للواقدي، وكنت أصحبه معي إلى دكَّان والدي وأطالعه فيه، حتَّى إنَّ والدي نهرني عن مطالعته وقال لي: لماذا لا تقرأ القرآن والحديث؟!. وهذا يدلُّك على شغفي بالقراءة قبل البلوغ، وإنَّ الحانوت المزدحم وحركة السُّوق ممَّا يصرف أمثالي الصِّغار عن القراءة فينشغلون بها، ولكنَّني أنا كنت أستغرق في كتابي منتشيًا بالقراءة لا أشعر بما يقع حولي».

يقول الشَّيخ بيُّوض: «وكنت قد استعرت من زميل لي كتابين هما: قصص الأنبياء، وقصص جحا، وكنت أستغرق في قراءتهما في الدار، فناداني والدي مرَّة فلم أسمع نداءه، فجاء فوجدني أقرأ هذين الكتابين فقال لي: وهل أعطاك أستاذك هذين الكتابين لتقرأهما، إنَّهما مشغلة عن حفظ القرآن وحفظ دروسك، فعنَّفني وأخذهما منِّي، فأغلق عليهما خزانة دراهمه الحديدية، حتَّى ردَّهما إلى صاحبهما. ثمَّ استعرتهما مرَّة ثانية من زميلي فشققتُ وسادة نومي فأخفيتهما في صوفها، وإذا أردتُ قراءتهما أخفيهما في ثيابي ثمَّ أطلع إلى السطح الأعلى حيث لا يأتيني أحد حتَّى أتممت قراءتهما».

معهد الشَّيخ الحاج عمر بن يحيى ما بين 1331 - 1339هـ/ 1913 - 1921م

بقي الطَّالب بيُّوض إبراهيم في معهد الحاج إبراهيم الإبريكي سنتين اثنتين بعد وفاة شيخه، تحت مشيخة الشَّيخ عبد الله بن إبراهيم أبو العلا وفاء لشيخه الابريكي، رغم انتقال بعض زملائه إلى معهد الحاج عمر بن يحيى، فكان يُعين شيخه «عبد الله أبا العلا» في إيصال الفهم إلى بعض التَّلاميذ، فأقبلوا عليه، واستمرَّ كذلك إلى أن أغلق الشَّيخ عبد الله معهده اكتفاء بمعهد الشَّيخ الحاج عمر، فانتقل إليه كلُّ الطلبة.

٢٢٤ / ٣٣٣