مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩

جبلوا على حب القديم وتعودوا على الإتباع والتقليد لا على الإبداع والتجديد، وكان الشيخ يعرف منهم ذلك ويعيه، فكان لا يولي من الاهتمام لهذه الناحية إلا بقدر ما يسمح له بالمناورة والمداورة وانتظار الفرصة السانحة ثم يمضي إلى هدفه لا يلوي على شيء، وقد توكل على الله واعتمد عليه»(1).

وكان ميدان الشيخ منحصرا في جبهتين رئيستين: المجتمع العريض، والجيل الواعد. واتخذ له وسيلتين متكاملتين، منبر المسجد، ومجال التربية والتعليم.

أ - منبر المسجد:

في المسجد كان منبر الوعظ والإرشاد ميدانا للعمل الباني الرامي إلى أبعد المدى، استمر فيه الشيخ ستين سنة في بيان معاني القرآن وزرع قيمه وحقائقه في النفوس، بأسلوب وعظي حكيم، شهد له القاصي والداني فيه بالمهارة والاقتدار على تطويع الخطاب وتذليل الصعاب لتبليغ حقائق القرآن وسقي النفوس بها، حتى غدت طوع توجيه الكتاب، تأتمر به وتلزم حدوده، وتسعى جاهدة لتحيا في ظلاله في كل مجالات الحياة، والتقيد بأحكامه في المساجد والمعايش، في البيوت والشوارع، وفي المتاجر والمصانع والمزارع.

وقد شهدت الحياة الاجتماعية انقلابا بكل المعاني في الاتجاه الإيجابي من حيث فاعلية الفرد وحيويته، وانطلاقه للعمل الجاد، والمساهمة في إعمار الأرض وبعث الحياة في دروبها، باعتبار ذلك تكليفا شرعيا قرآنيا، وعبادة يؤجر المرء عليها، قبل أن يكون استجابة لمصالح شخصية، أو مطالب أسرية أو اجتماعية.

هذا التوجه الإيجابي يعتبر تجديدا حقيقيا للحياة من منطلق قرآني، عالج به الشيخ أدواء خيمت على الأمة الإسلامية حينا من الدهر، أخلدوا فيه إلى الدعة والاستكانة، وظنوا ذلك من تعاليم الدين. فزهدوا في الدنيا ابتغاء الأجر والثواب، وأتاحوا الفرصة لأعدائهم أن يتصدروا قافلة الحياة، ثم رضوا بما يلقون إليهم من الفتات، واستسلموا لهم حين وطئوا بلدانهم سادة مستعمرين، وغدوا على المسلمين عتاة مستبدين.

وقد كانت آيات العزة والتمكين، والنصرة واستعلاء الإيمان مناسباتٍ سانحة وظفها الشيخ لعلاج هذه الأدواء في الأمة.

(1) -د. محمد ناصر، الشيخ بيوض أديبًا، المهرجان العلمي الأول حول فكر الشيخ بيوض، نشر جمعية التراث، 2000م، ص5. وهو أول البحوث المصفوفة ضمن كتاب أعمال الملتقى.

٢٣ / ٣٣٣