مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠ب- ميدان التربية:
وفي ميدان التربية كان رهان الشيخ بيوض على تنشئة جيل قرآني يحيا بالقرآن ويحيا للقرآن، وكم كانت تعجبه مقولة الشيخ عبد الحميد بن باديس: «إننا نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، وإننا نوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم، نريد أن نُخرج منهم رجالا كرجال السلف، رجالا قرآنيين حسًّا ومعنًى»(1).لأجل هذه الغاية جند الطاقات وحفز الناس فابتدروا ينفقون ويشجعون، ويمدون أموالهم سخية، فأنشأ الشيخ بيوض المدارس والمؤسسات التربوية، واتخذ معهده مشتلة لتعميم هذا التجديد في ربوع الوطن، فامتد أثره وانداح إلى خارج حدود الجزائر في بلدان الجوار، وجاوزها إلى مصر والخليج.
كانت برامج الدارسة قائمة على بناء متكامل للنشء في جوانبه الإيمانية والعقلية والمعرفية والنفسية، والسلوكية والاجتماعية. بل وحتى البدنية الرياضية. والمطلع على تلك المقررات وما تحويه من مضامين يجدها تتمركز على القرآن وتعاليمه في دروس التوحيد والفقه واللغة والتاريخ، وفي الأخلاق والفكر والاجتماع. منه تَستقي المواضيعَ والمشاهد، وبه تقيم الحججَ والشواهد، وعليه تُربّي الفصاحةَ والبيان، وتَبني القيم والمثل، وتشحذ الهمم والعزائم، وتزكي النفس والروح، كما تعنى بالذوق والجمال.
والشيخ بيوض كان مربيا ممتازا، ونابغة لماحة، وموسوعيا ضليعا، ملك ناصية البيان وسبر أغوار الشريعة وأدرك مقاصدها، فوظف تلك المميزات في درسه التربوي، وأنشأ عليها تلامذته، وكان أوائلهم سندا له في رسالة التربية والتعليم، وعلى سننهم درج اللاحقون فتواصلت تلك الحلقات في مؤسسات بُثَّت نجوما في أرجاء الوطن ولا يزال صيبها يهمي على الأمة أجيالا من العناصر الطيبة الصالحة المصلحة، غاية وسعها خدمة الوطن ونفع المسلمين. ومنتهى مقاصدها نيل رضوان رب العالمين.
منهج التجديد بالقرآن عند الشيخ بيوض:
يذكر الشيخ بيوض أن ابتداء عهده بتفسير كلام الله كان إثر وفاة شيخه الحاج عمر بن يحي، وذلك سنة 1921م، ولمّا يتجاوز الثانية والعشرين من عمره بعد. إذ فسر جزء «عمَّ» معتمدا أساسا على تفسير محمد عبده، وكان معجبا بمنهجه وأسلوبه، فحذا
(1) -لقاء التلفزيون الجزائري مع الشيخ بيوض إثر مهرجان ختم تفسير القرآن. ينظر: في رحاب القرآن مهرجان ختم تفسير القرآن والتأبين، نشر جمعية التراث، العطف، غرداية، 1989م، ص82.