مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢

كما كسر الحواجز المصطنعة بين المذاهب، واعتبرها مدارس متكاملة في حضن الإسلام وفروعا اجتهادية يسوغ فيها العذر ويقبل فيها التنوع والثراء، وأما قضايا التوحيد والإيمان، فلكل مذهب أصوله وحججه وقناعته، ويمكن التحاور في ذلك بين العلماء في جو من الاحترام وأدب الحوار، بعيدا عن هرج العوام وما يستتبعه من شحناء وتشنج وحمية رعناء. وكان انضمام الشيخ إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ تأسيسها وتعاونه مع أعلامها وفي صدارتهم الشيخ ابن باديس تجسيدا لهذه القناعة، وتطبيقا عمليا لجهود النخبة التي صدقت في دعوة التجديد، وسعت لإنجاز مشروعها في الميدان، ووضع قطارها على سكة الحديد.

وأما داء التواكل فقد أطال الشيخ في تكشيفه والتمييز بينه وبين التوكل المطلوب، وبيان أسباب التواكل وتصوير مآسيه وعواقبه على الدين والدنيا، ورسم طريق الخلاص منه، بإعادة ترسيخ معنى القضاء والقدر، والواجب والتكليف، وعلاقة الأسباب بالمسببات، وحدود مسؤولية العبد، وأفق قدرة الله التي لا تحد. ووضع المسلم في المربع الصحيح، الذي يشرّف فيه بالمسؤولية، ويمنح فيه حق الاختيار لاتخاذ القرار، ثم يستتبع ذلك الجزاء والحساب، وذلك من تمام عدل الله كما يدركه أولو الألباب.

وبهذا دفع المسلم إلى السعي والعمل لتحقيق الخلافة، واستحقاق حمل الأمانة التي شرفه الله بها، وعجزت عن حملها الأرض والسماوات. وتجددت بذلك حياة المسلمين وبعثوا للعمارة بعد دهور من الجمود الذي يشبه الموات.

فقه البيان أساس التجديد بالقرآن:

حين انطلق الشيخ بيوض في حركته الإصلاحية كان يصدر عن رؤية واضحة للنهج الذي يسلكه، ونظرة شمولية للعملية الإصلاحية، تستهدف تغيير الإنسان تصوّرًا ومعتقدا أولا، وسلوكا ومسيرا أخيرا، ويشمل ذلك جوانب اهتمامات الإنسان كله.

وتبين لنا مما سبق كيف اتخذ الشيخ من منبر المسجد منطلقا لإصلاح الجمهور، كما جعل من قاعات الدرس وميدان التربية أساس البناء الدائم والشامل. وقد أيقن هو ورجال الإصلاح أن نجاح المشروع مرهون بإقامة دعائم العلم في المجتمع، وبناء النفوس على حب العلم والارتواء من معينه. وهو ما تلح عليه وثائق الحركة الإصلاحية في غير ما موضع ومناسبة.

٢٦ / ٣٣٣