مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣يقول الدكتور محمد ناصر: «لقد شهدت النهضة في العشرينيات والثلاثينيات دعوات إصلاحية تركز في مخططاتها على الدعوة إلى العلم ومقاومة الجهل والتخلف الفكري، باعتبار العلم السلاح الأساسي الذي يجب أن يُستخدَم في معركة المقاومة لإثبات الهوية الشخصية، وباعتباره أكبر مقوِّمٍ يزرع الثقة في النفوس لتعرف ما لَها وما عليها، وتلحق بالتالي بركب مدنية القرن العشرين، التي دخلت بالعلوم عصرًا جديدا مدهشا»(1).
وفي معهد الحياة تجلّى نشاط الشيخ بيوض الرئيس، وآزره فيه رجال صادقون، في صدارتهم فضيلة الشيخ عدون، وكان السهر على تطوير مناهج المعهد دأبهم الدائم، وهمهم المقيم والمقعد. يجتهدون في رصد أنجع الوسائل لبناء نفوس الطلبة، وأفيد المقررات لتكوين جيل المستقبل المنشود. وتأكد لديهم أن الجانب الأدبي ركن ركين في بناء الطالب العلمي والاجتماعي. ودون التمكن من ناصية اللغة لن يكون ثمة فقه بالدين، ولا بصر بالمجتمع، ولا استفادة واعية بتراث الإسلام. لأجل هذا الهدف كان لحصص اللغة والنحو والبلاغة والأدب نصيب الأسد ضمن مناهج الدراسة بمعهد الحياة.
يقول الشيخ بيوض «أوليت عنايتي لعلوم البلاغة ودرّست دلائل الإعجاز، والكتب التي كانت ترد علينا من الشرق وخاصة المجلات؛ نتخير منها كل يوم درسا للطلبة، زيادة على درس الأمالي لأبي علي القالي، وشيء قليل من البيان والتبيين للجاحظ. وكنت أختار هذه المقالات وأوجهها، ودرّست النظرات للمنفلوطي وتتبعتها، قضيت سنوات وأنا في هذا الميدان، أوجه الطلبة إلى اللغة الفصحى وإلى تقويم ألسنتهم بالنحو والصرف والبيان والإعجاز خاصة، وأعتني كثيرا بدلائل الإعجاز»(2).
يقول الدكتور محمد ناصر: «وكل متتبِّع لتفسير الشيخ بيوض، يلحظ كيف كان الشيخ يهتم بالجانب اللغوي في تفسيره، وكيف كان يتمايل طربا وهو يحلل معنى بيت شعري، أو يوضح نكتة بلاغية، وذلك ما كان يجعله يقف وقفات متأنية متذوقا ومستخرجا جانب الإعجاز اللغوي والبلاغي من كلام رب العالمين. وكل متتبع لتفسيره لكتاب الله يلحظ بجلاء ثقافته الأدبية الواسعة حيث يستشهد بالشعر والحكم والأمثال كثيرا، مما يدل دلالة قوية على أمرين: أولهما ثقافة الشيخ التي تعتمد في جانب كبير منها على الأدب
(1) -محمد ناصر، مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة، ص88.
(2) -جمعية التراث، مهرجان ختم تفسير القرآن، وتأبين الشيخ بيوض، تقديم د. محمد ناصر، ص، 74.