مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤العربي وفنونه. وثانيهما: رغبته في توصيل هذه الثقافة إلى أبنائه الطلبة، قصدا منه في أن يبث في نفوسهم حب اللغة العربية وآدابها، والاهتمام بدراستها والتضلع فيها، لأنها أولا وقبل كل شيء أداة ضرورية لفهم كلام الله فهما سليما صحيحا، وبالتالي تغدو ضرورة لازمة في رؤيته الإصلاحية والتعليمية والتربوية. وكان الاهتمام بهذا الجانب عنصرا أساسيا في الحركة الإصلاحية التي كان مخطِّطَهَا ورائدَها وحاملَ رايتها. فإن الأدوات التي كانت الحركة الإصلاحية تستخدمها وتوظفها للاتصال بالجمهور والتأثير فيهم هي الخطب والأناشيد، والمسرحيات، والمقالات الصحفية، وهي أجناس تتغذى كلها من الأدب العربي وفنونه، ومن ثم يصبح الأدب العربي في مفهوم الحركة غاية ووسيلة معا»(1).
وعن هذا المنهج وغايته يقول الشيخ بيوض: «إن مقصدي من هذه الدروس وغيرها هو مقصد الشيخ محمَّد عبدُه، أن أخلق عقولا تتذوَّق بلاغة القرآن، ونفوسًا فيها طُهر القرآن، وتلامذة مصلحين يكونون جند القرآن»(2).
ونجاح الشيخ في تحقيق هذه الغاية، مردّه إلى رسوخ قدمه في مجال اللغة وذائقته الأدبية المرهفة، الذي كان رافدا مُهِمًّا، وحافزا بليغ الأثر في أنفس طلبة المعهد، إذ أوقد فيهم الاهتمام بالأدب، وأذكى فيهم الرغبة في تجويده، وألهب فيهم الحماس للتنافس فيه، فأينع بهم حقل الوطن، وأغنوه بأطايب الثمار، وصدروا عن المعهد أدباء وشعراء، تصدّروا المجالس فكانوا له خير سفراء، إذ أشاعوا ضياء لغة القرآن، أنى حلّوا وارتحلوا في الجزائر وسائر البلدان(3).
(1) -د. محمد ناصر، الشيخ بيوض أديبا، ضمن أعمال الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بيوض، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، 2002م، ص 91.
(2) -محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، ج2، ص، 30؛ د. محمد ناصر، الشيخ بيوض أديبا، ص92.
(3) -يقول بعض أعلام اللغة في الذكري السبعين لتأسيس معهد الحياة:
«أحيي الجزائر البلد العربي، أحيي القرارة ومعهدها «معهد الحياة»، الذي ظل ما يقرب من سبعين عاما مضت قلعة شامخة من قلاع العروبة والإسلام في الجزائر الشقيقة. وظل أساتذته العاملون البررة يرعون فيه أبناءهم من الطلاب رعاية مخلصة مع ما أخذوهم به من خصال إسلامية حميدة قوامها الخير العميم. يذكر للمعهد بالثناء المستطاب أنه خرّج على مرّ السنين، نخبة وطنية عملت بكل ما أوتيت من قوة، ولا تزال، في بناء الجزائر العربية المسلمة، بناءًا شاهقا وطيدا، كما خرّج المعهد بجانبهم صفوة من العلماء والأدباء الأفذاذ، والذين ملك عليهم الأدب والعلم ذوات نفوسهم، والذين يبذلون لشعبهم في الجزائر كل ما يستطيعون من جهود خصبة في نهضتنا العلمية والأدبية» الدكتور شوقي ضيف، الأمين العام لمجمع اللغة العربية. القاهرة، 1990.
«هذا المعهد الذي قام في القرارة قلعة حصينة من قلاع العربية والإسلام، وخرّج الأجيال تلو الأجيال، وقد تهيأت لمواجهة غدها، بالعلم النافع، والخلق الفاضل، وتزودت بما يحفظ لها شخصيتها ودينها، لتشيّد مستقبلاً زاهرا يليق بماضيها المجيد». الدكتور شاكر الفحام، نائب رئيس مجمع اللغة العربية، دمشق. 1990.
صالح الخرفي، من أعماق الصحراء، ص9.