مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨يَلتَفِتُ فَلا يَجِدُ مِن شَفِيفِ المشَاعِرِ ورَفيفِ الْخَواطِرِ حديثًا أرَقَّ ولا أريجًا أعطَرَ مِن تَحيَّتِكُم لِعُمَانَ، المجدِ والتاريخِ، يَستَعِيرُ من أَنفَاسِهَا العَطِرَاتِ، مع الاِحتِفَاظِ بِها مَوفُورَةَ العَبَقِ على الدَّوامِ لأَهلِها الطيبينَ الكرامِ:
«أُهدِي مِزَابَ» تَحيَّةً وسَلامَا *** مُتَوَاصِلَينِ مع الأَثِيرِ دَوَامَا
وبَعدُ؛
فَمُقارَبَةُ وَادي مِيزابَ مُقاربةُ وَادٍ عَزيزٍ أَلُوفٍ، لا تَتِمُّ إلاَّ عَبرَ تَجرِبةِ الشُّعُورِ والإِشراقِ، يَصعُبُ تَمَثُّلُها على مَن لم يأتِ إليها مِن غَورٍ بعيدٍ، لِيعيشَها غَضَّ المفاصِلِ طَرِيَّ العُودِ، يَوَدُّ بِطبعِ شَبابِهِ أن يَتَحَرَّرَ ـ لِغَفلَةٍ تَعتَريهِ ـ مِن مَرَاسِمَ، يَتَوَهَّمُ ثِقلَها في مِثلِ هَكَذا عُمْرٍ، فَيُغالِبُها بِشَقَاوَةٍ مُرَاهِقَةٍ، ولكنَّها حِكمَةُ الأسَاتِيذِ، وسَهَرُ الْمُعَلِمينَ، وأَنَاةُ المرَبِّينَ، تَنتصِرُ لَهُ ولَو بعدَ حِينٍ، وهُنا مَكمَنُ الصِّدقِ والإِنصَافِ في الشُّعُورِ والإِشراقِ الجَارِفَينِ، كِلاهُما يستَبِدُّ بالنفسِ وهيَ تَهفُو نَحوَ مِيزابِ الحياة، في مُقارَبَةٍ عِرفانِيَّةٍ وُجدانيَّة، وقَد هَذَّبَت الأيَّامُ شَيئًا مِن غُلواءِ طُفُولَتِها السَّاذِجَةِ، وكَبَحَت سَنواتُ المطَافِ كثيرًا من جِماحِها، وأزالَت عنِ العَينَينِ ما تَغَشَّاهُما مِن زَائِفِ الأَوهَامِ، وهَتَكَت مَا انسَدَلَ دُونَهُما مِن سُجُوفِ الأَحلاَمِ، وأَذهَبَت مَيعَ الشَّبابِ ومَنَازِعَهُ العِراضَ، وأَزَاحَت مِن الأُفُقِ القَريبِ غَبَشَهُ وظِلالَهُ.
مِيزَابُ ـ ومَا أَجْمَلَ التَّورِيَةَ وأرقَاهَا ـ لَيسَ قِطعَةً مِن الْجَمَالِ وحَسبُ، فَقَد قِيلَ: إنَّ سِرَّ عِشقِ مِيزابَ مِمن يَرتَادُونَهُ مِن الغَربِيِّينَ وأَضرَابِهِم، هو تَوقٌ إلى لَحظَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ وَادِعَةٍ، وبَحثٌ عَن صُورَةٍ شَرقِيَّةٍ حالِمَةٍ، رَسَمَتهَا الذَّائِقَةُ الاِستِشراقِيَّةُ ثُقُوبًا ثَقَافِيَّةً في الذَّاكِرَةِ الأُورُبِيَّةِ الْمُثقَلَةِ بِمِخيَالِ أَلفِ لَيلَةٍ ولَيلَة، فَراحُوا يَنشُدُونَهَا في مَيزابِ الْجَمَالِ، عَلَّهَا تُخرِجُهُم مِن خُلَّبٍ خَبَا بَريقُهُ، وبَهرَجٍ فَقَدَ سِحرَهُ وفَارَقَهُ رَنِينُهُ، وهو ظَنٌّ غَالِبٌ لا شُبهَةَ فيهِ، إلاَّ أَنَّهُ يَقِفُ دُونَ اِكتِمَالِ تَفَاصيلِ الْحَقيقَةِ، فَكَم مِن الْمُنتَجَعَاتِ الرومانسِيَّةِ تِلكُمُ التي تُتِيحُ مِن لَحَظاتِ الإِمتاعِ الذِّهنِي والبَصَري في عَوَالِمِ الشَّرقِ القَصِيَّةِ والدُّنيَا ما تُنسي البَاحِثينَ عَنها كُلَّ صَخَبٍ ونَصَبٍ، وكم مِن بُيُوتَاتِ الشرقِِ وأَديِرَتِهِ الْمَحفُورَةِ في جِبَالِ التَّبتِ وأَغوَارِ الْهِندِ وأَريَافِ الصَّينِ