مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٩

وهِضَابِهِ تِلكُمُ التي تَفسَحُ لَهُم مِن فُرَصِ التَّأَمُّلِ والعُزلَةِ ما يَنأَى بِهِم عن عَالَمِ الْجَلَبَةِ والضَّجيجِ، ويَسرَحُ بِهم في تَهويمَاتٍ مِن الشَّطحِ لا تَنتَهي! ولَكن لَيسَ ذَلك مَا يَفتَقِدُونَ، وإنَّمَا مَفقُودُهُم مَا أَلْمَحَ إلَيهِ شَاهِدٌ مِن أَهلِهَا، فَهَذا عَمُّنَا الفاضِلُ خُضَيرُ الغَرْدَاوِيُّ، قَريبُ الشاعِرِ الْمَوهُوبِ، صِنوِ الشِّهابِ، رَمَضانَ حَمُّود، رَحِمَهُما اللهُ، كانَ قد نَاهَزَ الثمَانينَ، عندما زَارَ بُستَانَهُ سَائِحٌ فَرنسيٌّ في رَبيعِ أُمسيَّةٍ مِيزابِيَّةٍ بِغابَةِ غَردايةَ، ووَجَدَهُ يُعِدُّ شايًا أَخضَرَ، وقد وَضعَ إِبريقَهُ على مَوقِدِ نارٍ «كُرنَافِيَّةٍ»، في ظِلِّ شُجَيرَةٍ يُداعِبُها ماءُ جَدوَلٍ يَنسابُ أمَامَه، وشَمسُ الأَصيلِ تُغازِلُه، فَقالَ الشَّيخُ الْجَليلُ مُداعِبًا ضَيفَه الفَرنسيَّ: أنتُم تَعيشُون في بَاريسَ، «القَاطُو» والأَنوارِ والْحَضارَةِ! فَردَّ عليهِ الزائرُ الفرنسيُّ إِثرَ تَنهيدَةٍ لا يُخطِئُ سَامِعُهَا صِدقَ مَكنُونِها: باريسُ و «قَاطُوهَا» وأنوارُها وحَضارتُها لا تَعدِلُ لحظَةً مِن لَحَظَاتِ الشَّاي الأَخضَرِ هذا الذي تُعِدُّهُ أَمَامَ جَدوَلِكَ الرَّقرَاقِ في هَذهِ الأُمسِيَةِ اللَّطيفَةِ! فَأَيَّةُ شَهَادَةٍ أصدَقُ مِن هَذِهِ التي تَأتِي مِن آخِرِ مَن يَفيدُ مِنهَا لِصَالِحِ مَن لا يَحتَاجُ إِليهَا! فَقَدِ اختَصَرَ الضَّيفُ في كَلِماتِهِ العَفويَّةِ كُلَّ شَيءٍ عن مِيزابَ، ولَمَسَ بإِحسَاسِهِ دُونَ عَقلِهِ سِرَّ الأَسرَارِ في عِشقِ الزَّائرِ لِمِيزَابَ، السِّرُّ الذي خَفِيَ عَنهُ هو وعَن كُلِّ مَن يُشَاكِلُهُ، لأنَّ مَا يَبحَثُ عَنهُ ووَجَدَهُ في تِلكُمُ الرُّوحِ التي استَسلَمَت في يَقِينٍ انطَبَعَت سِيمَاهُ على جَبِينِ شَيخِنَا الكَريمِ، ووَضَحَت فِي لَفَتَاتِهِ وكَلِمَاتِهِ ومَحَاضِرِهِ الْهَادِئَةِ الْمُتَوَاصِعَةِ كَانَ رَدِيمَ كَنزٍ لا تَقُودُ مَنظُوماتُ القَومِ الفِكريَّةُ إليهِ، ومَا أظُنُّ أنَّ وَالِدَنَا الشَّيخَ قد غَفَلَ عَنهُ، ولا يَضِيرُهُ ألاَّ يَأبَهَ لَهُ، لأنه يَمتَلِكُهُ نَسغَ شُعَيراتٍ ودَمَ شِريَانٍ، إنه إِكْسِيرُ التَّعَادُلِيَّةِ التي جَعَلَت مِن حَرَكَةِ الْمُجتَمَعِ الميزابي مِنوَالاً، العِلمُ فيهِ والإِيمانُ سَدَاةٌ ولُحمَةٌ، ونِيرَتُهُ الفَضَائِلُ والْمَكرُماتُ، فَكَان الْمَشهَدُ ـ في تَجَلِّيَاتِهِ الْمُتَكَامِلَةِ ـ سَجَّادَةً مُدَبَّجَةَ الْحَوَاشِي، يُعَطِّرُهَا طيبُ الْمَجَالِسِ ومِسكُ اللَّيَالِي، يَنفَحُ بهِ المكَانُ، ويَستَنشِقُهُ الإِنسانُ، في كُلِّ لَحظَةٍ وآن.

ولَيسَ مِيزَابُ حَشدًا مِن الْمُعَلِّمينَ والْحُفَّاظِ وكَفَى، فَكُثرٌ هُمُ الْحَفَظةُ وحَمَلَةُ الأسفَارِ، وأوفَرُ مِنهم حَمَلةُ الشَهاداتِ وأدعِياءُ المُؤهِّلاتِ، تَزدَحِمُ بِهِمُ الْمُدُنُ والدِّيَارُ، وتَتَبَاهَى بِهم أصقَاعٌ مِن الأرضِ، وأشتَاتٌ تَفخَرُ مَا شَاءَ لها

٢٧٥ / ٣٣٣