مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣١٠

الاِفتِخارُ، ولَكِن أَن يَنْبَثَّ الْحَمَلَةُ في مُجتَمَعٍ لاَ يَجعَلُ مِن الكِتَابِ الذي يَحمِلُونَ شِرعَة إِمَامَةٍ ووَظيفَةٍ، ومِنهَاجَ حَرَكَةٍ فَاعِلَةٍ وحَسبُ، وإِنَّمَا يُحيلُهُ ـ في تَوَافُقِيَّةٍ بَارِعَةٍ ـ هَديًا يَمشِي بِهِ الناسُ على أَقدَارِهِم في الأَرضِ هَونًا وسَلامًا، يَقبَسُون مِن أنوارِ مِشكاتِهِ التي تُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهَا نَار، ويَنهَلُون مِن عَذبِ فُراتِهِ الْمُتَدَفِّقِ تَدَفُّقَ عُيُونِ «الفُوسَاعَة» و «تَاجنينت»، وتُخالِطُ بَشَاشَتُهُ حَرَّ أنفَاسِهِم في مناجاةٍ يوميَّةٍ قاصدةٍ، فَتِلكَ حَصَائِدُ كِفاحٍ تَعَاوَرَت عليها رِجَالاَتُ بَنِي مُصعَبٍ بِمُوَاصَلَةِ السُّرَى، ومُجَافَاةِ الكَرَى، والضَّربِ في صَميمِ الْهَوَاجِرِ والصَّائِفَاتِ، وهو عَطاءٌ ثَمينٌ لِمُكابَدَةِ الْمَحَابِرِ والأَلواحِ، نَهضَت بِهِ ـ أَطرَافًا مِن النَّهَارِ وزُلَفًا مِن الليلِ ـ أَرواحٌ أَخلَصَت للهِ هَوَاهَا، وسَواعِدُ وَثَّقَت بِالأَرضِ عُرَاهَا، ذَلِكُم هو مِيزابُ في خُلاصَةٍ دَالَّة، بُنيَانٌ تَأَسَّسَ على رُوحٍ مِن تَقوى الْمَسَارِ، فَكَانَ مَرأًى يَرُوقُ، ورِوَاقَ مَجدٍ يَشُوقُ، يَنمَازُ في كل جانِبٍ مِن جَوانِبِهِ، ويَتَألَّقُ في كل مَظهَرٍ من مَظاهِرِهِ، رَاسِمًا عَلامَةَ امتِيَازِهِ وَمضَةً على جَبينِ الزَّمانِ، والتِمَاعَةً على مَفرَقِ الْحِذقِ والإِتقَانِ، فَلا غَروَ أن يَتَمَلَّكَ الْمَشاعِرَ، ويَملأَ النَّفسَ بَهجَةً وحُبُورًا، ويَجعَلَها تُشرِقُ إِشرَاقَةَ العُمرِ، فَتَوَدُّ ألاَّ تَنكَسِفَ بَعدَها، إنَّهُ مِيزابُ الْحَيَاةِ، هَكَذا قَامت مَبَانِيه، وتَخَلَّقَت مَغَانِيهِ، واستَطاَبَت مَجَانِيهِ، فَقَامَ واستَقَامَ، تُحفَةً في خَاطِرِ الشُّهُودِ، وعِلقًا نَفيسًا على صَدرِ الوُجُودِ، إِنَّه حَقَيقَةٌ مَاثِلَةٌ لِلعيَانِ، تَعيشُها فَتَظُنُّها أُسطُورَةً مَرقُومةً على سِفرِ الزمَانِ.

إنَّ الْمُطِلَّ على وَادي مَيزَابَ وقد استَبَدَّت بِنَفسِهِ نَوَازِعُ الشَّوقِ والحنينِ لَيَكادُ يَسمَعُ وهو على سَفحِ مَشَارِفِهِ الميمُونَةِ النَّغَمَ «اليُوسُفِيَّ التَّربَحِيَّ» الخالِد: «اِهْنَأْ يَا قَادِمُ بين الرُّبُوع .... أهلاً وسَهلاَ فِداكَ الْجُمُوع»، مُقَدِّمَةً لأَنَاشِيدَ، عُذرِيَّةِ القَوَافِي، صِيغَت على حَذوِ أَنوَارٍ سَرَى بِهَا البَدرُ مِن ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ، تَشدُو بِها حَنَاجِرُ شَبابٍ مِن مَعدِنِ الذَّهَبِ الإِبرِيز، وتَنسَابُ رَخيمَةً كَأندِيَةِ الفَجرِ الضَّاحِك مِن حَنجَرةِ أَمثَالِ الفنَّانِ الأَنيسِ فَرصُوص يُونِسَ، تَزدانُ بِها أَمَاسِيه الفَنِّيَّةُ الْمُمتِعَة، وتَسعَدُ بِهَا لَيَالِيهِ الرُّستُمِيَّةُ الجَميلَة، وتَطرَبُ رُوحُ الْمُطِلِّ الْمُتَوَثِّبَةُ لِلوِصالِ، وهيَ تَلتَقِطُ تَرانِيمَ الأطفالِ، وتَراتِيلَهُم الرَّطبَةَ النَّدِيَّةَ مِن شُرُفاتِ مَدرَسَةِ

٢٧٦ / ٣٣٣