مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١١الحيَاةِ في أفجارِهَا البَوَاكِر وأَصبَاحِها الْمُشرِقات، وتَلينُ أكنَافُ هذهِ النفسِ الْمَشُوقَةِ وهي تَستَعيدُ دَوِيَّ مَجَالِسٍ رَصَّعَتهَا وُجُوهُ العِليَةِ مِن شُيُوخٍ عِظَامٍ وطُلاَّبِ عِلمٍ وعَزَّابَةٍ كرام فَوقَ السُّطُوحِ وبين السَّوَارِي وتَحتَ القِبَابِ، وتَنعَمُ نَفسُهُ الْمُطمَئِنَّةُ بنَسَائمَ حُمِّلَت هَمهَماتِ الأَذكارِ في هُزَعِ أَكمَامِ اللَّيَالِي الرَّمَضَانِيَّةِ البَهِيجَةِ، وثَنَايا أسحَارِها الْخَاشِعات، كُلُّ ذلك يَزدَحِمُ بِهِ الْمِخيَالُ، وتَمُورُ به الخَوَاطِرُ في انْجِذابٍ رُوحانِيٍّ غَامِر، مع اطلالَةِ الوَاحَةِ التي ـ مِن عَسفِ سِياسَةٍ وتارِيخ ـ شَطَّ بِها الْمَزارُ يَومًا، وكان زَادُها أَشوَاقًا، جَمَّعَت مَفَاتِيحَها مِن عَرَصاتِ الْمَعصُومَةِ، واحتَمَلَتها أغصانَ زَيتُونٍ نَقَلَتها مِن تُربَتِها الْمُضَمَّخَةِ بأمجَادِ تِيهِرتَ البَوَاذِخ، بَحثًا عَن مُبتَدَأِ وَاعِدٍ جَديدٍ، فَوَافَته بَعيدًا هُنالِكَ، وقَد استَدعَتهُ أَقدَارُ اللهِ في إِحدَى نَواشِئ اللَّيلِ نَشأَةً أُخرَى، ورَعَتهُ أَلطَافُهُ نَزلَةً كُبرَى، فرَحُبَ بِها الْمَكانُ في عُمقِ الصحرَاءِ، فَأَنَاخَت عِندَهَا الْمَطَايَا، وتَوَطَّنَت في تَلافيفِهَا قِيَمًا وشَمَائِلَ، قَبلَ أن تَتَوَطِّنَ بَشَرًا وأَجسَادًا، وأقَامَت مَحَارِيبَهَا قبل أن تُقيمَ جُسُورَهَا وسُدُودَها، على مَبدَأ التَّرشَيدِ قَبلَ التَّشيِيدِ، فانفَسَحَ لها مَغرَسٌ بِكرٌ نَضِيرٌ، في حِضنٍ أُمٍّ رَؤُومٍ، كَرُمَ فيهِ الغَرسُ، وطَابَ منه العَطَاءُ، بين تَهَاوِيلِ وَادٍ غَشَّاهُ الأَمَانُ وجَلَّلَهُ الإِيمَان، لا يُحَرِّكُ صَفوَهُ كَدَرٌ، ولا يَقطعُ هَدْأَةَ لَيلِهِ السَّاجي سِوى انبِلاَجَةِ فَجرٍ مُنَوَّرٍ، وإِشرَاقَةِ صُبحٍ بَهِيٍّ، تَحمِلُ تَبَاشِيرَهُ أَصداحُ الْمَآذِنِ والأَطيَار، ويَتَنَفَّسُ شَقشَقةَ عَصَافِيرٍ مُؤنِسَةٍ، وسَجعَ هَدِيلٍ، اِمتَزَجَت بتَمتَمَاتِ الأَدعِيَةِ والأَذكَار.
مِيزَابُ يا مَعقِلَ مَاضِينا الذي لا يَعُودُ إلاَّ شَوقًا يُسافِرُ بِنا على جَنَاحِ أُمنِيَةٍ تَرِفُّ فَتُضنِي الصُّدُورَ بِتَوَهُّجِهَا، أَنتَ مُستَقَرُّ عِزٍّ يَتِيهُ بِنَسَقِهِ الثَّقَافِيِّ الفَرِيدِ، تَضَافَرَ لهُ مِن الْمَجدِ طَارِفٌ وتَليدٌ، وبِدْعُ مُجتَمَعٍ عَبقَريٍّ، شَيَّدَهُ عَرَقُ جَبينٍ، وبَارَكَتهُ رُوحُ عِلمٍ ودِين، وأََسهَمَت في نَسجِهِ على مِنوَالٍ مِن طِرَازِ زَربِيَّةِ غَردايَةَ الْمُنَمَّقَةِ الْمُوَشَّاةِ خُيُوطُ تَاريخٍ، وأَنماطُ مَعَارِفٍ وفُنُون، ومَطَارِفُ من جِيُولُوجيَا الجنُوبِ ومَنَاخَاتِهِ الدَّافِئَةِ، وأنفَاسٌ مِن مَشَارِبَ شَتَّى، تَآلَفَت جُهُودُها الجبَّارَةُ، واتَّصَلَ سَعيُها الْمَحمُودُ، وانصَهَرَ حرَاكُهَا في بَوثَقَةٍ جَمَعَت كُلَّ رَونَقٍ ونَفِيسٍ من مَشَارِيعِ الْخَيرِ ومَوَارِدِ الإِحسَانِ، فَكانَ هذا الأنْمُوذَجُ الإِنسَانِيُّ الرَّائِعُ النَّبِيلُ، وقد بَاتَ بِتَوقِيعَتِهِ الْمُتَمَيِّزَةِ مَهوَى الفُؤَادِ لِكُلِّ