مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٢مَن يَعبُرُ أَعطافَ وَادِيهِ الْمُبَارَكِ، ويَمُرُّ بِسبِيلِ ضِفَافِهِ يَومًا ولَو عَرَضًا، بَلْهَ أَن يُمضِيَ الْمَرءُ فيه أَجْمَلَ بَوَاكِيرِ شَبَابِهِ، ويُفنِيَ فيهِ أحلَى بِدَاياتِ رِكابِه.
مِيزابُ حَدَثٌ في تَاريخِ العُمرَانِ مَجيدٌ، أُقيمَ صَرحُهُ الحضَاريُّ الْمَهيبُ على تُؤَدَةٍ، أسَاسُهُ المكِينُ فَنُّ تَعَادُلِيَّةٍ أتقَنَت مُنَاجَاةَ الحيَاة، فَوَسِعَت الجَمعَ بين المَسَاعِي والدَّواعِي، مَسَاعِي الاِجتِهَادِ ودَوَاعِي الاِعتِقَادِ، في سيمفُونِيَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ، تَتَنَاغَمُ مع أُنشُودَةِ الكَونِ في مِحرَابِهِ الشَاسِعِ البَديعِ، يتَجَاوَبَ لَها مَيزابُ، قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وقَبلَ الغُرُوبِ، ويُخضِعُ مَعَها لِمُبدِعِها الْجَنَان، ويَتَقَفَّاهُ بِعَضَلِهِ والبَنَان، فَغَدَا مُرَكَّبًا أُحكِمَت عَلائِقُهُ الدِّينِيَّةُ والاجتِمَاعِيَّةُ والأدبيَّةُ في تَداخُلٍ مَعرِفِيٍّ حَكِيم، يَستَظِلُّ بِها الفَردُ أنَّى تَحَرَّك كَدِيَمِ الوَادِي الثِّقَالِ، إن لَم تُسعِف بِطَلِّهَا أَسعَدَت بِظِلِّهَا، دَوائرٌ ثَلاث: بَيتٌ تَرعَاهُ عَشيرةٌ، ومَعهَدٌ يَحُوطُهُ مَسجِدٌ، وجَمعيَّةٌ تُؤَازِرُهَا كَشَّافَةٌ، ورَوَادِفُ أُخَرُ لَهَا تَابِعَاتٌ، فَضَاءَاتٌ مِن العِنايَةِ الشَّامِلَةِ، يَعيشُ في حُرُمَاتِ بُنَاهَا الاِجتِمَاعِيَّةِ الرَّاشِدَةِ وَافِرَ الكَرامَةِ، بعيدًا عن أَيَّةِ جَبريَّةٍ في التَّوَجُّهِ، أو اعتِسَافٍ في رَسمِ الطَّرِيقِ، فََكَان الْحَصَادُ مَعْلَمًا مُشِعًا لِلحَيَاةِ، استَوَت أَركَانُهُ على ثَوَابِتَ مِن وَظَائِفِ الفِعلِ الْمُنضَبِطِ بالأَسبابِ الْمَوصُولَةِ بِنَفحَةِ الوَحيِ الْمُبينِ، ووَشِيجَةِ الشَّرعِ القَويمِ، ومِسحَةِ الْخُلُقِ الكَرِيمِ.
إِنَّه مِيزابُ الحيَاةِ، فَمِن أَين يَبدأُ العَاشِقُ الصَّبُّ الْمُعَنَّى! وكَيف يَصِفُ الوَالِهُ الْمُشتَاقُ! وماذا يذكُرُ الْمُستَهَامُ ويَستحضِرُ مِن سُبُحاتِ الْمَكَانِ التي تَتَقَاطَرُ مِن مَناهِلِهِ رَوعَةً وجَمَالا، وتَرفَضُّ مِن ظِلالِهِ سِحرًا ودَلاَلا! وماذا يَدعُ ويَستبعِدُ مِن مَبَاهِجِ الحيَاةِ التي تَرتَسِمُ في دُنيَواتِ أهلِه وذَويهِ! فَفِي بِلادِ الدُّنيَا كُلِّها تَتَرَاءَى جَوانِبُ ومَظاهِرُ ودُروبٌ، يَجدُ فيها العَابِرُ والْمُقيمُ كِلاهُما ما يَختارُ وما يَصطَفي، إلاَّ مِيزابَ الحياةِ، فإِنَّ كُلَّ ما فيهِ خِيارٌ واصطِفاءٌ، يَنحَفِرُ في القلبِ ذِكرَياتٍ، كُلَّمَا قَدُمَ العَهدُ أَثَارَت في الفُؤادِ سَعِيرَ اللَّهَفَاتِ، وحَرَّكَت في القَلبِ أَشوَاقًا، وقَدَحَت في النفسِ لَهِيبًا وأُوَارًا، وتَوَالَت على الْخَاطرِ مَعَارِجَ قُدسٍ، ومَعاهِدَ أُنسٍ، ومَرابِعَ فَضلٍ، ومَراتِعَ طُفُولةٍ وصَبَوات، فَأَنَّى يُنصِفُ الوَصفُ!.