مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٣مِيزَابُ مَضَارِبُ خَيرٍ مُونِقَةٌ، يُستَعذَبُ فيهَا الْمُقَامُ، ويُستَوفَى تَحتَ أَفيَائِهَا أُنسُ السَّالِكِين، وَاحاتٌ وَارِفةٌ تَتَفيَّأُ ظِلالُها عن اليمينِ وعن الشَّمالِ مِن أُمسِيَةٍ لأُختِها، تَنبَهِرُ النفسُ بِامتِداداتِ أصَائِلِها اللُّجَيْنِيَّةِ، وهي تُحيطُ بِمُدُنِهِ السَّبعِ إِحاطَةَ مَلاءاتِ سُندُسٍ خُضرٍ بِسَبعٍ حِسانٍ مِن العُرُبِ الأَترابِ، عُمرانُها جَصِّيُّ الْبُنَى، يُغَالِبُهُ بيَاضٌ نَاصِعٌ، وآخَرُ منهُ خُمرِيُّ الْهَوَى، أَخَّاذٌ بِتَكَدُّساتِهِ ذاتِ الأَصبَاغِ الْمُتَراكِبةِ، تَتَعانقُ بُيوتُه الجميلةُ، وتَلتَحِمُ في أُلفَةٍ ووُدٍّ، تَنداحُ دَوائِرُها الْمُتَوالِيَةُ بِتَرَاتُبِيَّةٍ رَاقيةٍ على أَكَمَاتٍ وهَضَباتٍ من مَدَاخِلِ الوادِي وحَناياهُ، تَشابَكَت في مُتَوَالِياتٍ حَمِيمِيَّةِ التضَامُنِ حَولَ ما تَنمازُ به مِيزابُ مِن بُؤَرِ الحياةِ الْمُتَدَفِّقَةِ طُهرًا وجَلاَلاً، مَنائِرِها الشامِخاتِ الوضِيئاتِ، ومَساجِدِها العامِراتِ العَتيقَاتِ، تُصَعِّدُ النَّظَرَ الْمَبهُورَ مِن حَواشِي الواحَةِ الظَّليلَةِ وأَطرافِها السَّاحِرةِ، وتُجِيلُهُ مَشدُوهًا وهوَ يَحُطُّ بِك على جُدُرِ المبَانِي الْمُنَزَّلَةِ مَدارِجَ طَبَقًا فَوقَ طَبَقٍ، وقد تَوَلَّت أزِقَّتُهَا شَطرَ قِمَّةِ الرَّابِيَةِ، مُصطَفَّةً اصطِفافَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ حَوَالَيْ حَرَمٍ آمِنٍ، لِتَصِلَ ـ وقد شَخَصَ مِنك البَصَرُ في ذُهُولٍ صُوفِيٍّـ إلى إحدَى إِبدَاعاتِ الذَّوقِ الْمِعمارِيِّ الفَذِّ الْمُتَجَسِّدِ في مُعَلَّقَةِ الْمَدينَةِ، وقد امتَدَّت قَامَتُها الفَارِعَةُ مُشمَخِرَّةً في عُنفُوَانٍ بِلاَلِيٍّ، المنَارَةِ الرائِعَةِ، وهي تُعانقُ زُرقَةَ قُبَّةٍ استَدارَت بِإِحكَامٍ مُعجِزٍ على آفاقٍ مُمتَدَّةٍ، فَتُريكَ في لحظَةٍ مُبهِرَةٍ كيف تُصافِحُ الأَرضُ السَّمَاءَ، ويَتَّصِلُ النَّاسُوتُ بِالْمَلَكُوتِ، وكيف يَقوَى أَهلُ الإِسلامِ في عَبقَرِيَّةٍ عَجيبَةٍ ـ عندما تَجِدُّ بِهِمُ العَزائِمُ ويُريدُونَ ـ عَلى تَحقيقِ التَّعادُلِيَّةِ الْمُثلَى بين حَنِينِ الرُّوحِ ومَطَالِبِ الجسَدِ، في تَوازُنٍ لا يُعَاقُ فيهِ مُرَكَّبُ الوَسَطيَّةِ الأَوَّلُ بِمِثالِيَّاتِ الكَهَنُوتِ، ولا يُستَدرَجُ مُعادِلُهَا الثَّانِي إلى أوهَامِ الْمَدَرِ الخَانِقَةِ.
إِنَّهَا مُدُنٌ سَبعٌ عِظَامٌ ـ ولِلعَدَدِ دِلاَلاَتُهُ ـ، طَوَّفَ فَوقَها الفَنَّانُ «مُحَمَّدٌ الشَّريفُ» ـ شَرَّفَ اللهُ ذِكرَهُ ـ على بِساطٍ مِن رِيحِ الأَشوَاقِ، فَخَلَّدَهَا في أُنشُودَةٍ مِن رَوائِعِ الإِنشادِ الذي يُمِيلُ النُّفُوسَ بِأنغَامِهِ العَذبَةِ، وهي تَحتَسِي في لَيَالي الإِينَاسِ ومَحَافِلِ الأَعرَاسِ كُؤُوسَ «تَاكَرْوايْتْ» الْحَلالِ، ابتَدَأَ الشَّرِيفُ سِيَاحَتَهُ ـ اتِّسَاقًا مَعَ مَبعَثِ النهضَةِ وحَرَكَةِ التاريخِ ـ بِالربَاطِ الجنُوبِيِّ، مَدينَةِ الْخَمَائِلِ و «زَهرِ