مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣١٩

شدة هول ما رأيت من الحال التي آل إليها، وقد جالت بخلدي هيبة ذلكم الشخص الفذ الذي أعرفه عن كثب، والذي زاده الله تعالى بسطة في العلم والجسم، تحاملت على نفسي بقلب يرتجف، وخطى تزدلف فتقدمت منه فناديته باسمه الحاج محمد الحاج محمد السلام عليكم أنا فلان عيسى ابن الشيخ، وكان مغمض العينين فرأيته فتح عينه فرآني لحظة ثم أغلقها، وهو يصعد أنفاسا متوالية مصحوبة بشخير على غير عادته، مددت يدي إلى رأسه فقرأت ما تيسر من القرآن علَّها تخفف علَّه لحظات عسيرة يمرُّ عيها، حاولنا نداءه مرات كي يستفيق، ولكنه ظلَّ ساكنا، فتقدمت ممرضة فقالت: لقد حقناه قبل قليل بحقة لينام وإنه لن يستجيب لكم الآن، وسيستفيق بعد حين، ولكني أدركت في أعماق نفسي - ولو لم أبح به - أنَّ حقنة الموت هي التي بدأت تسري في أوصاله فلا مفرَّ من قضاء الله فتذكرت قوله ﴿فَلَوْلآَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلآَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ وألفيت المنية قد أنشبت أظفارها في أجزائه فلا طبيب يجدي ولا دواء، فرددت قول الشاعر الحكيم … وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كلَّ تميمة لا تنفع

فقلت لمن معي من أهله أدعوا لأبيكم وسندعو له عن ظهر الغيب، وأسلموا الأمر لقضاء من لا يبدل القول لديه، واستعدوا لما قد يجي به القدر، فالليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيب. فكان أمر الله قدرا مقدورا، فعلى الثامنة صباحا ساعة أفاض فيها الروح طاهرة إلى ربِّها بعد أن اشتد به البلاء، ومَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، ﴿وَلَنْ يُّوَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا اِذَا جَآءَ اَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرُم بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ولا تفرق المنية بين أمير ووزير، ولا بين رفيع وحقير، ولا بين غني وفقير {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ

٢٨٥ / ٣٣٣