مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢٠يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}
أيُّها الإخوة الأتقياء لقد اشتد الداء بالفقيد حتى اضطر الأطباء إلى بتر ساقه حفاظا على بقية حياته، وذلك يوم الأربعاء الثامن ماي، وظلَّ مغمى عليه بضعة أيام، ولما استفاق وشعر برجلة مبتورة عن جسمه أشار إليها بيده من غير أن ينبس ببنت شفة، فأصيب باحتباس في الكلام، وسينطلق لسانه بعد أيَّام، هذا ما فهمه حذاق الأنام من إشارة البنان، ولكني قلت في نفسي: إنَّ الرجل الأواب أدرك أنَّ ساقه وإن بترت عن جسمه في دار الهوان فهي لا محالة بضعة منه قد سبقته إلى دار الجنان، وأنَّه يتمنى أن يلحقها عاجلا، وأنَّه لا حاجة له إلى ساق مريضة لا تقوى على حمله إلى المساجد والجماعات، ولا تستبق به الخطى إلى المراصد وفعل الخيرات، وأنَّه ليتمنَّى أن يطأ الجنة قريبا بعرجته كما تمنَّاها قبلاً الصحابي الجليل عمرو بن الجموح، فعن جابر بن عبد الله، - رضي الله عنه - قال: جاء جاء عمرو بن الجموح إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد فقال: يا رسول الله من قتل اليوم دخل الجنة؟ قال: نعم، قال: فوالذي نفسي بيده لا أرجع إلى أهلي حتى أدخل الجنة، فقال له عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يا عمرو لا تأل على الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مهلا يا عمر، فإنَّ منهم من لو أقسم على الله لأبرَّه: منهم عمرو بن الجموح، فمرَّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد استشهد فقال: يا عمرو: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة، ولا أحسب فقيدنا إلاَّ مات شهيدًا، ولا أخاله يمشي في الجنة إلاَّ صحيحا.
أيها الإخوة الأعزاء: لقد أصابت فقيدنا مصيبة الموت المعهودة، والحياة في نفس صاحبنا ممدودة، والآمال في عطاء فقيدنا معقودة، غادر الأحداث من غير إشعار، وانطوى في الأجداث من غير إنذار، تاركا وراءه إرثًا من الخير ثقيلاً، وفيضًا من الذِّكر