مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٢١

جليلاً، وقدرًا من الثناء جزيلاً، حياة كاملة قضَّاها في سبيل الخيرات، وأعواما حافلة مضَّاها في جزيل المكرمات، عمرٌ حافل بالبركات قارب التسعين ودهرٌ كامل بالمنجزات نراها عين اليقين، قضى سواده في ميدان العلم والتحصيل، وأنهك جسمه نصبًا في تحرير البلد الأمين من نير الاستعمار الخؤون، وأفنى سواده وبياضه في خدمة الصالح العام في كلِّ مسلك وسبيل، متحمِّلا أعباء الأمة الجسام، في ظروف صعبة شحَّت فيه التضحية، و قلَّت فيه الشهامة، وعزَّت فيه المروءة، طالبا طموحا، وتاجرا نصوحا، ومجاهدا صبورا، ووزيرا قديرا، ومحاسبا خبيرا، وحكيما مشيرا، وفلاحا جديرا، وأستاذا كبيرا، وصديقا صفوحا وكريما محسنا، ينفق إنفاق من لا يخشى فاقة، ويتصدق بالصدقة حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، فكان من السبعة الذين يظلُّهم الله تعالى تحت ظلِّ عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، شهدت بفضله الندوات، وعمرت برشده المنتديات، وسارت بذكره الركبان وذلك لعمري ما يجعل القلوبَ حيرى، والأسئلةَ تترى، هل نجد للفقيد في زمن شحِّ الرجال من خلف؟ وهل لنا فيمن بعده من شباب صالح يقتفي بأمان أثر السلف، تلكم لعمري المحنة التي تدك البلاد، والفتنة التي تنهك العباد، والإحنة التي تفتك الأكباد، فلا تكاد ترى من الرجال إلاَّ نزرًا، ولا تكاد تنظر من الرجولة إلى قتْرًا

أيُّها الإخوة الأكارم لقد عرف الفقيد بخلال جليلة، وخصال جميلة، عزَّ أن تجدها في إنسان مثيلة، ولكنَّ الوقت أضيق من أن يفصح بها جناني، يضيق بها صدري ولا ينطلق لساني، والفقيد من النوع الذين لا يغريهم ثناء ولا مدح، ولا يثني عزمهم هجاء ولا قدح، لا تغريه الألقاب، ولا تفريه الأحساب، وقد خبرت سريرته عن قرب فكانت خيرا من علانيته، غير أنَّي أشير إلى خصلتين اثنتين أكسبتاه فضلا، وكفى بهما للمرء نبلا، أمَّا أولاهما فالتواضع العجيب، والعجب فيه أنَّه يملك كلَّ الأسباب التي تدفع بالمرء إلى الاستعلاء، المال، والجاه، والعلم، وهي الأثافي الثلاثة التي ينتصب عليها قِدر

٢٨٧ / ٣٣٣