مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦

مرضاته دنيا وأخرى، وتخلقا بأخلاقه في نفع العباد ومنع الظلم ومحاربة الفساد، والسعي لعمارة الأرض تحقيقا لمهمة الخلافة عن الله. وبهذا تحققت الفاعلية في سلوك المسلم، وانطلق من جديد في مناكب الأرض يعمرها بالخير ويسوسها بالعدل، وينشر نور القرآن في جنبات الحياة. وبفضل إحياء معاني العقيدة تقلصت مساحة الانحراف وضاقت الأرض على الأخلاق السيئة وعلى أهل الفساد، وعمرت النفوس بالخير والاستقامة والصلاح، ونجم عن ذلك تزايد إقبال الناس على الأعمال البانية وعلى عمارة الحياة كما أرادها الله الذي أنزل القرآن.

ب- فقه العمارة

حين اتضحت معالم العقيدة في سلوك الإنسان تميزت مهمته وهي عمارة الأرض واعتبار ذلك عبادة مقدسة، وواجبا عينيا تنقضي الأعمار دون الوفاء به، وهو ما يجعل المسلم حريصا على مسابقة الزمن لاغتنام هذا الفضل وغرس معالم العمارة أنى حل وارتحل. وهذا المعنى الذي يخشاه أعداء الإسلام من المسلمين، لأن فيه خطرا على مواقعهم وسيطرتهم على مصادر القوة والريادة. وبهذا المسلك الإيجابي تحققت القدوة وانتشر الإسلام في عصوره الذهبية، حين جسدوا تعاليم القرآن واقعا معيشا، وكانوا مُثُلاً في العمل المتقن الكامل، والعدل الشامل.

وكان الشيخ حريصا على ترسيخ هذه المعاني حين يفسر آيات الإيمان والعمل الصالح، فيطيل الحديث ويعتبر ذلك أولى ما يجب الوقوف عنده، لتصحيح المفاهيم وتوجيه السلوك، وإعادة بناء الإنسان كما أراده منزل القرآن.

وأثمرت توجيهاته في هذا الميدان مشاريع اقتصادية متعددة في التجارة والصناعة والزراعة، والخدمات المتنوعة، أخذت تتطور وتتنامى مع مرور الزمن حتى غدا أربابها نماذج تحتذى في العمل المتميز، خبرة وإتقانا، ومهارة وإحسانا. ونافسوا بقدراتهم الاقتصادية نظائرهم من غير المسلمين، وكسبوا لأنفسهم خيرا، ولأمتهم ووطنهم عزّا وقدرا.

ج- الرؤية الشمولية

وظَّف الشيخ بيوض القرآن بمنظور سديد حين دعا إلى سعة الأفق واستثمر ثقافته الموسوعية في بناء إنسان يمتد نظره في الكون الرحيب؛ يتأمل آيات الله في الأنفس والآفاق، وينظر إلى القضايا برؤية موضوعية ثاقبة، ويعالج المشكلات برحابة صدر، ويناقش المسائل بأدلتها المعتمدة، بعيدا عن الأحكام المسبقة، أو المنطلقات الضيقة مذهبية كانت أم عرقية أم جهوية.

٣٠ / ٣٣٣