مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧وعماده في كل ذلك توجيه القرآن، سواء في تصديق الرواية أم في صحة الآراء. إذ قال في شأن الرواية: ولاَ يَابَ الشُّهَدَآءُ اِذَا مَا دُعُواْ} [البقرة 282]، وفي الشك في الرواية قال: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُم بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماَم بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات 06]. وفي مقام الرأي قال: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَّدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا اَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة 111]، أَمَّنْ يَّبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ أَ. لَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل 64].
فقد حاج بهذه القاعدة أهل الكتاب في دعواهم اختصاص الجنة بهم، كما أبطل بها مزاعم المشركين في ادعاء شريك لله الخالق سبحانه. وغدت هذه القاعدة منهجا في معالجة كل المسائل وإثبات الآراء والنظريات، وصاغها علماء الإسلام في عبارة وجيزة: «إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مدعيا فالدليل». بهذا التوجه استطاع الشيخ بيُّوض القضاء على التعصب المذهبي، وأحيا في الناس روح السماحة والتسامح بناء على توجيهات القرآن إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات 10]، وساهم في ذلك بدروسه النظرية في مساجد الإباضية والمالكية، وفي مشاركة الجميع في مناسباتهم الاجتماعية، وبعضويته البارزة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
كما اعتمد منهج القرآن في القضاء على كثير من العادات السيئة وأنواع السلوك الموروثة أو المبتدعة مما لم يكن له أصل في الدين، أو ما نشأ عن جهل وتقليد. ولم يأل جهدا في الحفاظ على كثير مما ارتضاه من العوائد المشروعة، مما بُني على رعاية المصلحة، وقام على نظر سديد وفقه بمقاصد الشريعة الغراء. وفي تفسير الشيخ المسجل على الأشرطة منه والمطبوع، وفي دروس الوعظ والفتاوى المختلفة نماذج عديدة لهذا التجديد والتأصيل القائم على فقه بالنصوص وبالواقع، وعلى شجاعة قاومت التبعية والتقليد. وثمة ميدان بارز الأهمية تجلى فيه تجديد الحياة من منطلق القرآن؛ عالجه الشيخ بيوض في رسالته الإصلاحية، ألا وهو ميدان الوطن والوطنية.
د= مفهوم الوطنية وأبعادها:
حين انطلقت حركة الإصلاح كان لدى رجالها، -ومنهم الشيخ بيوض- وعي تام بطبيعة الواقع، وخطورة الاستعمار على حاضر الأمة، وعلى مستقبل الأجيال.
واتضحت لكل ذي عينين مؤامرات الاستعمار المكشوفة، وسعي عملائه وأذنابه لتكريس بلاء الأمة وإطالة ليلها، بتجهيلها بتاريخها، وسلخ الأجيال من مقوماتها.