مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٤٣

ثم سكتُّ برهة، ثم أجبت قائلة: كانوا يدركون أنهم لن يعيشوا ليحقِّقوا أهدافهم، كانوا يوقنون جيِّدا أنهم يرسمون الخطوات الأولى من معالم طريقهم وأنَّهم لن يكملوه، ولكن أيكون هذا إشارة منهم إلى أنهم بدأوا لنُكمل نحن المسير؟

نعم قد يكون هذا مُرَادُهم؛ نعم، أين تاهت مني هذه الفكرة من قبل … وقد تكون أيضا دلالة على أنَّنا نحن أيضا قد لا نصل إلى كلِّ الأهداف. إذًا لم يكن همُّ الأجداد التمتُّع بلذَّة الوصول، وإنَّما كان همُّهم الأكبر البداية فقط، نعم البداية … كم كانوا عظماء، يجب أن نتَّعظ بهم.

وفجأة وبينما أنا أفكِّر في هذه العظمة وجدتُ سؤالا آخر يطرح نفسه بقوة أكبر من سابقه، وبلهجة عتاب: ماذا فعلنا نحن؟ ماذا قدَّمنا؟ لقد تركوا مشاريع وأعمال لم يُكملوها … ما هو دورنا نحو هذا الكمِّ الهائل من التَّركات العلميَّة والثقافية، هل أكملنا الطريق من بعدهم؟ أم هل وقفنا حيث انتهوا؟ أم هل ترانا نُحطِّم كلَّ ما فعلوه؟ فمثلا لو ترك لي والدي بعد وفاته شركة كبيرة، ولكنها ما زالت لم تصل إلى المستوى المطلوب، فما هو دوري؟ أأُكمل العمل كما كان يفعل أبي، على خطاه تماما؟ أم سأغلق الشركة وأحاول فتح شركة أخرى؟ ولكن قد لا أصل بتلك الشركة الجديدة إلى المستوى المطلوب، ويأتي من بعد وفاتي من يفسخ شركتي ويختار شركة أخرى، ولكن بهذا الشكل لا أحد سيصل، ولا عمل سيكتمل، ولا نتيجة ستُعرف.

وا أسفاه على حالنا ماذا لو يُباغتنا الأجل و نحن على هذا الحال؛ فنرحل دون إكمال أيِّ شيء؟ وقد نخرج من الدنيا دون البدء أصلا؟ والأدهى من ذلك أن نبحث عن أخطاء أجدادنا لا لنتداركها، بل نُعدِّدها لنعاتبهم على الوقوع فيها، ويأتي من بعدنا ويفعل بنا ما فعلناه بمن سبقنا … وا حسرتاه، أهكذا سنبقى، كلُّ جيل يلعن من سبقه ويهدم ما بناه، ويذهب في رحلة بحث جديدة؟

٣٠٨ / ٣٣٣