مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨

ورسخت لدى فريق من هؤلاء قناعة بضرورة التغيير، وأنه ممكن غير مستحيل، وأن بقاء الأوضاع على حالها ليس قدَرًا محتوما، ولا مصيرا مفروضا يمتد إلى يوم النشور. من هذه القناعة انطلق رجال الإصلاح في تجسيد مشروعهم وفق خط واضح المعالم يبدأ بتغيير النفوس وفق المنهج القرآني: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد 11].

واستيقن رجال الإصلاح أن تغيير النفوس يكون -كما تُبنى النفوس- بحكمة وأناة، ونفَس طويل. كما جعلوا شعارهم الدعوةَ للتشبث بالثالوث المقدس: الإسلام، الوطن، العربية. «الإسلام ديننا، الجزائر وطننا، العربية لغتنا»(1).

وكان إنشاء الشيخ بيوض لمعهد الحياة(2) تجسيدا لهذه القناعة، ويذكر الشيخ في أكثر من مناسبة أنه سَمَّى معهده بمعهد الحياة قصدًا إلى هذا المعنى الشامل للحياة الكريمة التي دعا إليها القرآن يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال 24](3) ونال نصيبَ الأسد إحياءُ معاني القرآن في وعي الطلبة بترسيخ العقيدة وتفعيلها، واستخلاص العبر من قصص القرآن. ومعالجة الواقع على ضوء توجيهات القرآن. وكان تكوين الطلبة بمعهد الحياة مزدوجا، تمتزج فيه النظرية بالتطبيق، والتأصيل بالممارسة، سواء في المجال الشرعي والأدبي، أم في المجال الفكري والوطني. لقد ركّز الشيخ بيوض على بناء أنفس ناشئته على الفعالية، والعمل لتوظيف العلم لبناء الأمة، ومقاومة الظلم بكل صوره، وفي مقدمته ظلم المستعمر الذي أحكم قبضته على الجزائر أزيد من قرن من الزمان.

ومن ثمار هذا التوجيه غدا الطلبة يهتفون بأهازيج حب الوطن ومقاومة المستعمر، ويعملون جادين لتحرير أبدانهم من أغلاله بعدما تحررت أنفسهم من ضلاله. وتحفظ مجلة الشباب بمعهد الحياة ودواوين أناشيد طلبة المعهد رصيدا غنيا من هذه القصائد الحماسية التي تطفح حبا للإسلام وغيرة على الأوطان ودعوة لتحريرها من براثن

(1) -هذه مقالة الإمام عبد الحميد ابن باديس، وأصبحت شعارا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست سنة 1931م.

(2) -تأسس معهد الحياة بصورة علنية، سنة 1925م. وإن بدأ نشاطه قبل ذلك بأربع سنوات، إثر وفاة الشيخ الحاج عمر بن يحي، شيخ الشيخ بيوض رحمهم الله جميعا. وللتفصيل ينظر: شريفي سعيد، معهد الحياة، نشأته وتطوره.

(3) -كان الشيخ عدون رحمه الله يذكرنا بهذه المعاني في كلماته الافتتاحية لمعهد الحياة أول كل سنة دراسية.

٣٢ / ٣٣٣