مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣١٩

والضوابط الفقهية معا، فنجد كثيرا من القواعد انفرد بها الإباضية عن غيرهم في صياغتها أو مضمونها، وقد اهتم المحقق عبد الرحمن بكلي بهذا الجانب، فجمع معظمها في الملحق الخاص بكتاب النيل للثميني.

ويلاحظ أن الإباضية توسعوا في الأخذ ببعض القواعد الفقهية والعمل بحكمها دون غيرها، فقد خرّجوا عليها فروعا كثيرة يصعب حصرها، ظهر ذلك في القواعد التالية: «الأمور بمقاصدها»، و «المشقة تجلب التيسير»، و «الضرر يزال»، و «العادة محكَّمة» و «اليقين لا يزول بالشك»، و «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، وغيرها من القواعد الكلية، ولعل ذلك مرده إلى ارتباطها الوثيق بواقع الناس وبمصالحهم في العاجل والآجل، وعلاقتها بالمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وهذا يفسره كثرة الشواهد في هذه الدراسة.

وبعد اسقراء نصوص الفقه الإباضي تبين أن معظم الإباضية لم يطلق اسم القاعدة على الحكم الكلي الذي ينطبق على جزئياته، بل كانوا يطلقون عليها تسميات أخرى تتضمن هذا المعنى، كالأصل و الضابط، ولأجل ذلك التبس الأمر على بعض الفقهاء و الباحثين، فظنوا أن الإباضية يفتقرون إلى القواعد الفقهية، ولو أنهم رجعوا إلى مصادرهم الفقهية واستقصوها بحثا وتمحيصا، لوجدوا هذه القواعد مبثوثة في فروعهم، بتسميات أخرى، أو بإشارات معينة، مثاله قاعدة «الشرط الجائز شرعا معتبر» موجودة بلفظ قد لا يتوصل إلى معناه بسهولة إلا من مارس الفقه الإباضي، لأن لفظها في بعض المواضع هكذا «الإباحة مع عدم الشروط مخالفة لأصل الوضع».

ولعل العمل الذي قام به ثلة من الباحثين الإباضيين المتخصصين في دراسة التراث الإباضي، عقيدة وفقها وحضارة، متمثلا في معجم مصطلحات الإباضية، يُعين الباحثين على فهْم مصطلحاتهم، ويسهّل عليهم البحث عن القواعد المختلفة، وفهمها فهمًا صحيحا، حتى يكون حكمهم قائما على العدل والإنصاف، ويغدو عاملا رئيسيا في تقليص شقة الاختلاف.

وما يزال التراث الفقهي الإباضي يزخر بالقواعد الكلية والضوابط الفقهية، ولم تصل هذه الدراسة إلى استخراجها كلها خوفا من الإطناب، واستجابة لمقتضى الزمن المحدد للدراسة، ويمكن للباحثين المهتمين بهذا التراث أن يجمعوها ويدرسوها على شكل نظريات فقهية، إذا وجدوا بينها رابطة موضوعية، كالقواعد المتعلقة بنظرية العقد، والمتعلقة

٣١٦ / ٣٣٣