مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧٩فخ المركزيات والتحيزات الثقافية والعرقية والأخذ بفكرة ثنائية البشرية (متحضرة ومتوحشة) وفكرة شعب الله المختار والتعريف الأحادي للجوهر الإنساني وللظاهرة الإنسانية والظاهرة الاقتصادية ومنها ظاهرة العولمة كسيرورة وإرادة لقوى سياسية محددة، كما لم تسلم من التورط في مزالق التوظيف السياسي والحزبي والانتخابي للحركية النصيرة للعولمة البديلة.
فمثلا: إن الذين يقولون بأن العولمة «أمركة» تكذبهم جزئيا وقائع أزمة العولمة الأخيرة، إذ أنها بالفعل متأثرة بأمريكا في حالة ازدهارها وحالة أزمتها؛ ولكنها أيضا تتجاوز أمريكا لأنها تظل سيرورة مستمرة.
ففي هذه المرحلة الانتقالية الدولية المعولمة التي يجري فيها تحول العالم إلى «عالم ما بعد أمريكا»، (انظر مثلا تقرير رامسيس2011م/ Ramses2011 الفرنسي)؛ أي نحو صوغ معالم «عولمة جديدة»، نشهد تزاحم قوى صناعية وحضارية صاعدة على ريادتها؛ ساعية بدورها -ضمن قانون التداول الدولي وربما الحضاري- لتركب تلك السيرورة العولمية، وتوظفها كما فعلت قبلها قوى أخرى كبريطانيا وأمريكا، خلال العولمات السابقة، ولكن يتوقع منها ألا تعيد إنتاج أخطاء القوى المعولمة السابقة، حتى تسمى بالفعل «عولمة بديلة» وإلا فإنها ستعرض البشرية والكوكب إلى امتحان مصيري أصعب.
3) - برغم أننا ذهبنا إلى أن العلاقات الدولية (كحقل معرفي وكواقع معيش)، أضحت معولمة بالفعل، وأن العولمة الأخيرة بالرغم من تأثيرها البين على العديد من المسلمات الدولية الموروثة عن النظام الويسفالي للعلاقات الدولية؛ إلا أنها لم تفض إلى العصف به كلية، وأن العولمة كسيرورة ليست آيلة إلى التقهقر، على خلاف العولمة كإرادة سياسية لقوى معولمة محددة طالما صبغت العولمة الأخيرة بصبغتها حتى ظُن أنها هي هي وأنها أبدية.
ومنه فإن مساهمات القوى والاتجاهات المختلفة الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة من الأهمية الفكرية والنضالية والسياسية العملية بمكان، وذلك في أفق البحث عن آفاق عولمية جديدة أرحب وأقسط وأدوم وأسعد لمعظم البشرية ولسائر الكوكب - الوطن؛ ومنه أخيرا، تأكد تباشير «فجر العولمة الجديدة».