مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٨أهم رموزها(1)، ووجهة النظر هذه تتلخَّص في أنَّ هذه الرواية تظهر فجأة ودون سابق إنذار وتدلُّ على أنَّ المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء ولا أيًّا من الشؤون العامة، ولم تظهر إلا قبيل التحام الصفوف وتقاتل الفرقاء وسفكهم دماء بعضهم في موقعة الجمل الشهيرة، وقبل ذلك لم يكن الناس على علم بها إلا بعد أن ألقاها لهم أبو بكرة، وهي موجهة حصراً ضد السيدة عائشة التي كانت رمزاً للفريق الذي خرج ضد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب.
والتساؤل: أين كان هذا التشريع لأكثر من خمس وعشرين سنة بعد وفاة النبي ح؟ ولماذا لا يظهر إلا قبيل المعركة التي يستعدُّ الطرفان فيها لسفك دماء بعضهم؟ كل هذه التساؤلات تدعو إلى الشكِّ في هذه الرواية وأنها صيغت لأجل غرض سياسي معين وهو توهين أمر الجيش الذي كان يتخذ من السيدة عائشة رمزاً له، وهذا ما عناه أبو يعقوب الوارجلاني بقوله: «والأصل في سنَّة ظهرت بعد رسول الله حأنها تعتد قولة من أقاويل المسلمين»(2)، أي أنَّ الروايات المتأخرة الظهور لا تعدو أن تكون رأياً يُفحص ويُتثبت من أمره.
وأصحاب هذا الرأي لا يتَّهمون أحداً بعينه باختلاق هذه الرواية وصناعتها، لكن في الوقت ذاته لا يستطيعون إغفال وجود دوافع سياسية معيَّنة تؤدي بهذه الروايات إلى الظهور في مثل هذا التوقيت، فأبو بكرة في الوقت ذاته كان يخذِّل الناس عن الالتحاق بعلي بن أبي طالب في صراعاته مع معارضيه، فعن الأحنف بن قيس قال: «خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله ح، يعني علياً، قال: فقال لي: يا أحنف ارجع، فإني سمعت رسول الله حيقول: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قال: فقلت: أو قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال: إنه قد أراد قتل صاحبه»(3)، إذن من المستفيد من كل هذا التخذيل عن علي وعائشة؟ بالتأكيد إنه رجل الشام القوي معاوية بن أبي سفيان.
(1) 1 - إبراهيم فوزي، تدوين السنة، ط1، رياض الريس للكتب والنشر، لبنان، 1994م، ص247.
(2) 2 - يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج2، ط1، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984م، ص 9.
(3) 3 - صحيح مسلم، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم الحديث (2888)؛ مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج4، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار إحياء التراث العربي، لبنان، ص2213.