مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٤

كانت الأمور تتجه لنشأة دولة ذات طابع ملكي استمدت مشروعيتها من نظام الإمامة الكلاسيكي في الفقه الإباضي، وفعلاً ترسخ هذا التقليد ولم يعد الحكام من آل أحمد بن سعيد يتلقبون بالإمام، وصار الحكم يدار بالوراثة على طريقة الأنظمة الملكية(1)، ومع قيام حركات تحديث للمجتمعات في الشرق لم تحظ عُمان بحركة تحديثية للمجتمع كما حصل في العديد من البلدان الأخرى وعزلت بهذه الطريقة عن العالم الخارجي، فبينما كانت الأمم والشعوب الأخرى تسابق الزمن للرقي بمجتمعاتها كانت عُمان تعيش في أجواء ومناخ وعقلية القرون الوسطى بكل ما تعنيه الكلمة من معان.

ومع بدء عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور الذي اعتلى الحكم بعد والده في 23 يوليو من عام 1970م بدأت حركة تحديث للمجتمع لم تسبق منذ عام 1744م، وفي فترة بسيطة وباستثمار عائدات النفط قفزت البلاد قفزة هائلة بمقاييس العصر في مجالات البنية التحتية كالتعليم والصحة والطرق والمشاريع التنموية، لكنها مع ذلك ظلت تراوح مكانها في تحديث نظامها الاجتماعي والسياسي وأنماط التفكير الجمعي.

فالنظام الاجتماعي مثلاً لا يزال يقوم على مؤسسة القبيلة بتقاليدها الضاربة في القدم، وهذا النظام الاجتماعي يلقي بظلاله على النظام السياسي وعموم النظر الفقهي، وكان من الطبيعي أيضاً أن تسري كل هذه المنظومة المعقدة للمجتمع بإرثه الماضوي إلى التشريع القانوني الذي مثل مظهراً من مظاهر التحديث للمجتمع، والمنظومة القانونية العمانية المعاصرة وإن جاءت في ظاهرها مشكلة من نظامين قانونين هما: الفقه الإسلامي الذي تكون بعُمان عبر التاريخ، والنظام اللاتيني.

إلا أن تقاليد المجتمع وتفكيره الجمعي أثر على القانون العماني، وكان يشكل باستمرار أحد هواجس وهموم القائمين على صياغة القوانين وإصدارها، فهم بجانب عنايتهم بالصياغة القانونية الموضوعية الصرفة كانوا أكثر ملامسة للواقع بتجاذباته المختلفة، لذلك فالحفاظ على التوازنات الاجتماعية مهم في نظرهم لاستقرار النظام السياسي.

وكان من أبرز آليات معالجة المشكلات الاجتماعية والقانونية والسياسية والفقهية في النظام السياسي في سلطنة عُمان في العصر الحديث علاجها بالسكوت عنها وعدم

(1) 1 - سالم بن سلمان الشكيلي، الشورى في سلطنة عمان بين الفكرين الإسلامي والوضعي-دراسة مقارنة، ط1، الأجيال، سلطنة عمان، 2009م، ص240 - 275.

٥٤ / ٣٣٣