مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٩

قراءة للآية على ضوء لغة القرآن وأساليبه، وما وجد من مراجعات لموضوع شهادة المرأة في هذا العصر كانت تصب لصالح دعاة تاريخية النص القرآني، الذين يسعون إلى تجميد الدلالات التشريعية للقرآن على وقت النزول دون مدها عبر الزمان والمكان، والرؤية الفقهية المتوارثة تخدم دعاة تاريخية النص القرآني؛ بما تقدمه من تقزيم لدلالات القرآن الكريم.

لذا فقد قمتُ منذ فترة ليست بالقصيرة بإمعان النظر في هذه الآية وقرأت كثيراً مما كتب في تفسيرها وما استخلصه الفقهاء من أحكام منها، ولم أجد ما يشفي الغليل سوى الرجوع إلى القرآن نفسه للإجابة على كل التساؤلات التي تدور في الأذهان، فمن حق الناس أن تتساءل كما تساءلت الملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:30]، فآيات القرآن عبارة عن آيات بينات، لا لبس فيها ﴿وَكَذَالِكَ أَنزَلْنَاهُ ءَايَاتِم بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُّرِيدُ﴾ [الحج:16].وكونها آيات مُبَيِّنَاتٍ، أي مبينة لغيرها ﴿رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمُ ءَايَاتِ اللَّهِ مُبَيَّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق:11].

فلا بيان فوق بيان القرآن، سواء كانت روايات يرويها الناس وينسبونها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو مفردات في معاجم جمعها اللغويون عبروا فيها عما وصلهم من دلالات لغوية تداولها الناس، فلغة القرآن فوق لغة المعاجم، التي لا ترقى إلى أساليب القرآن ومراميه، فالقرآن تبيان لكل شيء، ولم يفرط الله فيه من شيء. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]. ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلآَّ أُمَمٌ اَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:38].

ومفتاح الآية في موضوع شهادة المرأة هي لفظة «رجالكم» في «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ»، على اعتبار أنَّ القائلين بأنَّ شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل قالوا بأنَّ لفظة الرجل هي جمع رجل، والرجل يطلق على جنس الذكور.

والمعنى الثاني لمفردة (رجال) في القرآن -أي شمول اللفظ لجماعة الذكور والإناث في حال الإطلاق- قد يستغرب منه الكثيرون، لكنه المعنى الذي يعبر عن لغة القرآن واستعماله، وتبقى لغة القرآن فوق المعاجم ونقلتها، وشواهد المعاجم لم تلتفت للغة القرآن وبعدت كثيراً

٥٩ / ٣٣٣