مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٠عنها في هذا الشأن، فلم تقدم سوى ومضات يمكن الاستفادة منها، فالمعاجم تقدم لنا أنَّ مفردة (رجل) وتصاريفها «يرجعون إلى الراجل لأَن اشتقاقه منه، كما أَن العَجِل من العاجل والحَذِر من الحاذِر، والجمع رجال»(1)، ومفردة «راجل» جُمعت في القرآن على «رِجال»: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً اَوْ رُكْبَانًا فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:239]، أي فصلوا قائمين على أرجلكم أو راكبين، وهذا في حالة الخوف. ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:27]، فالناس الذين يأتون لحج بيت الله إما ماشين معتمدين على أرجلهم أو على الدواب.
و «رجل» في القرآن جمعت على «رِجال»، وكذلك «راجل» في القرآن جُمعت على «رِجال»، وتعني الذي يعتمد على رجليه في الوقوف أو المشي، وهذا المعنى مشترك بين الذكر والأنثى، و «رجل مُعظم بابِه يدلُّ على العُضو الذي هو رِجْلُ كلّ ذي رِجْل، ويكون بعد ذاك كلماتٌ تشِذُّ عنه. فمعظم الباب الرّجل: رِجْلُ الإنسان وغيره، وَالرَّجْل: الرَّجّالة، وإنما سُمُّوا رَجْلاً لأنهم يمشون على أرجُلِهم، وَالرُّجَّال وَالرُّجَالَى: الرّجَال؛ وَالرَّجْلانُ: الرَّاجِل، والجماعة رَجْلى … وممّا شذّ عن ذاك الرّجُل: الواحد من الرّجَال، وربما قالوا للمرأة الرَّجُلَة»(2).
فلذا استعمل القرآن مفردة «رِجال» عند الإطلاق لإعطاء معنى القيام بالأمر كما يجب، فالقرآن قد نقل معنى «رجال» وهو جمع «راجل» من المعتمد على قدميه إلى معنى القائم بالأمر كما يجب، وهذا معنى يستوي فيه الذكر والأنثى. ومن الشواهد القرآنية في إثبات أن لفظة «رجال» تشمل عند الإطلاق الذكور والإناث للدلالة على معنى القيام بالأمر:
1. قول الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ اَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاَصَالِ (36) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالاَبْصَارُ﴾ [النور:36 - 37].
فالآية تخبر عن بيوت رفعت وذكر الله فيها وسبح له فيها بالغدو والآصال رجال، فهل بيوت الله التي رفعت عبر تاريخ البشرية عمرها بالذكر والتسبيح جنس الذكور فقط أم هم الذكور والإناث معاً؟ القرآن يقدم لنا نموذجين من (رجال) عمروا بيوتاً بالذكر والتسبيح:
(1) 1 - ابن منظور، لسان العرب، باب الراء، مادة (رجل).
(2) 2 - أحمد بن فارس، مقاييس اللغة، المرجع الأكبر للتراث الإسلامي.