مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٢3. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:40]، في هذه الآية نفي لأبوة النبي لأحد من الرجال، ثم استدراك ذلك: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) لرفع ما قد يُتوهم مِن نفي أبوته الصُلبية، فالمنفي في حقيقته أن يتعلق أحد من أبناء النبي عليه السلام بأبوته للمطالبة بشيء من متعلقات النبوة ووظائفها، فالنبوة اختيار من الله لا تورث ولا توهب(1).
والشاهد في موضوعنا أن الآية قد نفت أبوته عليه السلام لأحد (من رجالكم)، وهي هنا تشمل الإناث والذكور، بدليل أن القرآن قد ذكر بنات النبي، وهن يدخلن بلا شك في عموم (من رجالكم)، فلا يحق لهن المطالبة بشيء من متعلقات النبوة ووظائفها، ففي هذا المقام (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)، ولم يذكر القرآن من أبناء النبي سوى البنات ﴿يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُومِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:59] فحتى لو لم يكن له عليه السلام أولاد من الذكور، فبناته داخلات في عموم (مِنْ رِجَالِكُمْ).
4. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الاِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:6].فرجال الإنس الذين يعوذون برجال من الجن هم من الذكور والإناث قطعاً، والواقع الاجتماعي يشهد بذلك، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) الفلق:4 فالنفث في العقد من مظاهر الاستعاذة بالجن والكائنات الماورائية، وفكرة التغليب التي تطرح كثيراً لا تنفي ذلك، بل تؤكد الفكرة، إذ لا أحد يعترض على كون الإناث يدخلن في مفهوم (رجال من الإنس).و (يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ)، فالجن عالم غيبي لا نعلم نحن البشر تفاصيل حياتهم الجنسية، إذ لم ينبئنا القرآن بشيء من ذلك، لكنه عبر عنهم «برجال من الجن» وذلك يعني أن القرآن يعبر عن القادرين بالقيام بالأمور من الجنسين بدون اعتبار الجنس.
5. قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:4].
ولفظة رجل هنا يدخل فيها الذكور والإناث لما دل عليه الاعتبار الاجتماعي، فهي معبرة عن كل من يعتمد على قدميه، فيصدق عليهم ما نطقت به الآية.
(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج22، ط1، مؤسسة التاريخ، لبنان، 2000م، ص43 - 44.