مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٣6. قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:23].وهؤلاء المؤمنون الذين صدقوا مع الله؛ رجال؛ وهذا الوصف ينطبق على كل من قام بالأمر على وجهه، فلا ينصرف إلى جماعة الذكور وحدهم، والدليل على ذلك من القرآن النماذج التي حكاها القرآن من الذكور والإناث:
*- ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ التِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكِتَابِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:11 - 12].
*- ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّومِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّومِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمُ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُم بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَّشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا اَلِيما﴾ [الفتح:25].
وعليه يكون معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُم فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ اَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى﴾ [البقرة:282] واستشهدوا على حقوقكم شاهدين من رجالكم، أي ممن يقومون بالأمر كما يجب من الذكور أو الإناث أو منهما معاً وهذا هو الأصل.
فإن لم يتوافر لذلك لشتى الظروف والمتغيرات الاجتماعية وخاصة فيما يتعلق بالإناث، وذلك لما مرت به النساء قبل نزول القرآن في مختلف بقاع العالم ولآلاف السنين من جهل وتخلف ونزول عن مستوى الإنسانية، وكأن الأمر مرشح للاستمرار والبقاء طويلاً في الذاكرة البشرية؛ لذا يكون البديل هو رجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، «والتعليل في هذا الكلام ينصرف إلى ما يحتاج فيه إلى أن يُعلّل لقصد إقناع المكلّفين»(1)، وهذا التعليل غير مرتبط بالطبيعة التكوينية للمرأة، بل هو مرتبط بالظرف الاجتماعي الذي مرت به لقرون طويلة قبل القرآن، وهو مرشح للاستمرار بعده، وهو ظرف محتمل الحصول في أي زمان ومكان نتيجة تردي الأوضاع الاجتماعية لعموم المجتمع الذي تتأثر به المرأة كثيراً.
والخلاصة التي نخرج بها من كل هذا البحث أن مسألة تولي المرأة القضاء من المسائل التي سكت عنها الشرع، أي لم يُشرع لها حكم بعينها:
(1) 1 - الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، ج3 ص93.