مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٢

وهذا قريب جدًّا من منهج الإمام مالك بن أنس (ت179هـ)، فقد كان من أصول مذهبه في قبول الرواية الآحاد عدم مخالفتها لعمل أهل المدينة، حيث يقدِّم عمل أهل المدينة، فهم الذي تسلسل فيهم العمل عن طريق كبار التابعين فالصحابة الذين عاش الرسول حأكثر وقته بين ظهرانيهم. ومن أمثلة ذلك السدلُ في الصلاة، وإن روى مالك حديث الضمِّ إلاَّ أنه معارضٌ لعمل أهل المدينة، فقدَّم العمل وهو السدل على حديث الآحاد، ونحو ذلك حديث صلاة ركعتين إذا دخل المصلي المسجد والإمام يخطب، فقد كان أهل المدينة يجلسون، وهم الذين أدرك آباؤهم وأجدادهم رسول الله ح، وصلَّى بهم عشرات من الجمع، فهل يعقل أن لا يتأخَّر رجل منهم إلاَّ مرة واحدة فينكر عليه الجلوس، لذا كان منه أن قدَّم العمل على حديث الأحاد(1).

ومن الروايات التي ردَّها أصحابُنا الأوائل لمخالفتها العمل وأقوال الثقات الذين أخذوا دينهم من طريقهم، رواياتُ القنوت، فقد جاء في المدونة ص84(2): « … أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يقومون يدعون ويتهلَّلون وهم قيام؟ قال: هذا أمر محدث، لا نعرفه ولا نأثره عمَّن مضى من خيار هذه الأمة».

كذلك نجدهم لم يعملوا بروايات التوقيت في غسل الإناءإذا ولغ فيه الكلب؛ وذلك لأنَّ الأصل هو التنقية، فتحرَّز من العمل بالرواية حتى ولو على سبيل الاستحباب خشية أن تكون ليست صحيحة عنه ح، أو مخالفتها ما جرى العمل عليه، فيقدم العمل على الآحاد، ففي المدونة: «قلتُ ـ[أي أبا المؤرج ت 205هـ]ـ أتوقت في غسله ثلاثا أو سبعا كما قال هؤلاء؟ قال ـ أي أبا عبيدة (ت150هـ) ـ:

(1) - ينظر: بحث: الأدلة والأصول والقواعد التجديدية في الفقه المالكي، للدكتور محمد بشيرسويسي، مدرج ضمن كتاب ندوة تطور الفقه الإسلامي والمستقبل، الأصول المقاصدية وفقه التوقع، 1430هـ/ 2009م، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1431هـ/ 2010م، ص 268 - 276.

(2) - مدونة أبي غانم الخرساني، تحقيق يحيى النبهاني وإبراهيم العساكر، ط مكتبة الجيل الواعد، مسقط/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1427هـ/ 2006م.

٧٢ / ٣٣٣