مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٤

بالجانب السياسي، فلذلك تجد الفقه الإسلامي فقيرًا في الجانب السياسي خلا الإباضية الذين كان لهم تنظيرهم وممارستهم العملية السياسية طول التاريخ.

والمتأمل في الخطاب الإباضي في المؤلفات الأولى يجده ينطلق من القرآن الكريم، في جميع خطاباته، الفكرية والعملية والسياسية والمالية والمجتمعية، لذا سنجد الأدبيات القرآنية في نقد الآخر حاضرة، والبُعد عن السباب والتنابز بالألقاب وسوء الظنِّ وغيرها من الأدبيات القرآنية من أهمِّ المنطلقات في التعامل مع المخالف، خلافًا لكتب التراجم عند أهل الحديث خصوصًا.

ولذا لم تستطع الرواية أن تخترق الفكر القرآني إلاَّ بحذر شديد، وعليه وإن حدث بعد القرن الثالث تساهلٌ نوعا ما في الجانب الفقهي، إلاَّ أنّ الجانب العقدي والسياسي بقي قرآنيا، وكذلك التعامل مع المخالف.

ونحن لا نلغي الاستفادة من مناهج البشر، ولكن تحت غربلة قرآنية، والانطلاق من القرآن ذاته، ليس في نقد مناهج البشر، بل حتى في نقد المذهب الإباضي ذاته، ولا ضير في ذلك، فالله تعالى أمرنا بالنظر والنقد فيما خلَّفه الأجداد من تراث وروايات وتأريخ، والجديد فقط الذي لا يبلى، كتاب الله وكفى، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

واليوم للأسف نجد اختراقا في الخطاب الإباضي وتحوله تدريجيا إلى خطاب أهل الحديث، والذوبان في منهجم، والتنكُّر لمنهج الإباضية الأوائل، وجعله غريبا عن أبناء المذهب، بطريق قد لا يقصدونه، ولكن الانبهار بتراث أهل الحديث دون قواعد واضحة جعلهم يتصوَّرون أنَّه الحق الحقيق الذي لا بد منه في التحقيق، ومع تراجع مجموعة من أصحاب الحديث ومناداتهم بالعودة إلى القرآن وعدم الانبهار بمنهج المحدثين والتسليم له دون رؤية قرآنية وانطلاق قرآني(1)، إلا أننا نجد

(1) -ينظر مثلا مؤلفات حسن فرحان ورؤاه النقدية، وكتابي «السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث» و «هموم داعية» لمحمد الغزالي، و «أضواء على السنة النبوية» لمحمود أبو رية، ومؤلفات أحمد الكاتب ونقده الفكر الشيعي، وكذا استفتاءات حسين المؤيد.

٧٤ / ٣٣٣