مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٥

من الإباضية اليوم وممن يحمل فكر الإباضية، نجده يستسلم لما يقوله المحدثون، دون إعمال عقلي، ورؤية قرآنية(1).

وأنا هنا كما قلت آنفا لا أعني من كلامي الاستنقاص من منهج أهل الحديث، ولكنه منهج روائي بشريٌّ، لا يعلو على منهج القرآن، حيث أنَّجزءًا من منهج أهل الحديث قد أُطِّر بعيدا عن القرآن الكريم بصورة واضحة، فنجد الاختراق اليهودي في العقيدة، ودخول عقائد غيبية جديدة لم تذكر في القرآن، والتنظير للظالم، وإلغاء عشرات الآيات بأحاديث آحادية، وانتشار الإرجاء في العالم الإسلامي، وغيرها يطول، لأنَّ منهج التصحيح والتضعيف لم يستطع أن يوجد لنا منهجًا واضحًا في نقد الخطاب الروائي، والإمام أحمد (ت241هـ) أبو الجرح والتعديل ذاته، لم يستطع بهذا المنهج أن يخلِّص مسنده من عشرات الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي أثَّرت في العالم الإسلامي إلى اليوم.

والإباضية الأوائل لم ينبهروا بعلم الحديث ورجاله لا عن ضعف، ولكن لإدراكهم أنَّ الرواية الصحيحة بذاتها لا تخرج عن مُحكم القرآن، فنحن بحاجة إلى النص وتقييمه، وهذا ما قاله ابن تيمية (ت728هـ) مثلا في رفع الملام عن الأئمة الأعلام ونصه: «بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين - أي كتب الصحاح والمسانيد - كانوا أعلم بالسنَّة من المتأخرين بكثير، لأنَّ كثيرًا مما بلغهم وصحَّ عندهم قد لا يبلغنا إلاَّ عن مجهول، أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية»(2)، وكلام ابن تيمية الأخير وهو قوله أو لا يبلغنا بالكلية، فإن كانت الروايات تشكل تشريعًا ربانيا فهذا يعني أنَّ الشريعة ناقصة لأنه لم يبلغنا، والله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا(3)، وعليه فالإسلام أكمله الله بإكمال كتابه، وكلامه يخالف منهج أهل الحديث الذين يستسلمون

(1) -ينظر مثلا: كتابالأجوبةالمسكتة لأبي الطيب الطيواني.

(2) -رفع الملام عن الأئمة الأعلام لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، ط الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد – الرياض/ السعودية، ط 1403هـ/ 1983م، ص18.

(3) -المائدة/ 3.

٧٥ / ٣٣٣