مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٦لتصحيح السند غالبا، فالسند الصحيح ليس دليلاً على صحَّة المتن، والعكس صحيح، ولذا عندما حدَّث الحسن البصري (ت110هـ) بحديث، فقاللهرجل: «ياأباسعيد، عَمَّن؟ فقال: ماتصنعبعَمَّن؟ أماأنتفقدنالتكعِظَتُه، وقامتعليكحُجَّتُه»(1)، وهذا إذا وافق كليات القرآن، وإلا القرآن في غنى عنه.
وقال ابن مسعود (ت33هـ): «كونواللعلمرعاة، ولاتكونوالهرواة، فقديرعويمنلايروي، أويرويمنلايرعوي»(2).
وعليه نجدُ الإباضية الأوائل يطبِّقون قاعدة العرض على القرآن، وهذا ظاهر في الجانب العقدي، وقاعدة العرض على الأثر، أي العلماء الثقات الذين نقلوا الشريعة كابرا عن كابر، فلم تغزوهم حينها نظرية: «إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي»، لأنَّ هذا الحديث ذاته وإن صحَّ سندًا، فتبقى صحته ظنِّية، وما نقله الثقات عمليا، في أمر يعتبر قاعدة في حدِّ ذاته، ومن أمثلة هذا:
*- ردُّ أبي عبيدة بن أبي كريمة (ت150هـ) شيخ المذهب، لما روي عن ابن عمر (ت73هـ) قوله: «هذا بحر وتحته سبعة أبحر، وتحتها النيران»، وعليه استخلص عدم جواز الوضوء من ماء البحر، ردَّ هذا أبو عبيدة لأنَّه يعارض القرآن والأثر، أمَّا معارضته للقرآن فلقوله تعالى: وَهُوَ الذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا(3)، وأما معارضته للأثر فما تناقله العلماء عن عمر بن الخطاب (ت23هـ)، وهو أبو عبد الله ناقل الرواية، في قوم أتوا إلى عمر وقالوا له: «إنّ أناسا يأتوننا ويزعمون أنَّ البحر لا يُتوضَّأ بمائه، ولا يُغتسل به من الجنابة، فقال: كذبوا أولئك، أئتوني بماء البحر نتوضأ به ونتطهر، هو الطهور ماؤه والحل ميتتُه»(4).
(1) -غاية المطلوب في الأثر المنسوب، مصدر سابق، ص192.
(2) -المصدر نفسه، ص 192.
(3) -الفرقان/ 53.
(4) -المدونة لأبي غانم الخراساني، ص 50–51.