مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

أمّا أهميَّته بالنّسبة للمتذوّق أو المتلقّي فتبرز في أنّ هذا المتذوّق «يعايش النّصّ الأدبي معايشة تكاد تكون كاملة، فيشارك المبدع أفراحه وأتراحه، في آماله وآلامه، ويسبح معه في عالم الرّؤى والخيالات، كما أنّ المتذوّق في قراءته للعمل الأدبي أو سماعه له ينفّس عن روحه بهذه القراءة أو بهذا الاستماع هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبعث في نفسه التّواقة للجمال الإحساس بهذا الجمال، ويتمثّل هذا الجمال في عدة مقوّمات منها: طرافة الفكرة، وجمال اللّفظ جرساً ومعني، وجمال الصّورة تركيباً وبناءً، وجمال الأسلوب تأليفاً وتكويناً، وأخيراً صدق العاطفة في النّصّ الأدبي»(1).

التّذوّق الأدبي والتّحليل الأدبي

إنّ التّحليل الأدبي الذي يعنى بتفكيك بنية النّصّ لمعرفة دقيقة وعميقة لمكوّناته، يَهدف إلى إدراك الخصائص التي تشتمل عليها كلّ العناصر التي يتركّب منها الأثر الأدبي ويشتمل عليها: الجانب الفكري، النّاحية الفنّية، القيم الإنسانية، وكلّ ما يتضمّنه النّصّ … وأثر ذلك في المتلقّين: فكرًا ووجدانًا وفنًّا وذوقًا، وفي خضم حياتهم ومعتركها .. إنّ هذا التّحليل يحتاج إلى حسّ مرهف، وانفعال عالٍ، وإدراك كبير، ووعي عميق … للقيام بالعملية وتحقيق الغاية منها. ما يوفّر هذا هو التّذوّق الأدبي الجيّد. فهو ولو كان شيئًا مغروسًا في نفس الفرد، إلاّ أنّ نموّه ورقيّه يخضعان إلى عملية الصّقل والتّهذيب والتّوجيه في الإبداع والإمتاع والإقناع …

«والذّوق الفنّي نفسه ليس هوى فرديًا، بل هو استعداد فطريّ، واكتساب ذاتي في آن واحد، وكذلك الثّقافة ليست مطالعة النّصوص الخالدة وحسب، بل هي - إلى ذلك - إلمام بأطراف من العلوم الإنسانية، كعلم الجمال والفلسفة وعلم النّفس، ومع ذلك يُطلب من الدّارس الشّادي أن تكون قدمه راسخة، ورأيه مسدّدًا منذ الخطوات الأولى … »(2).

يعني هذا أنّ الذّوق من مكوّنات شخصيّة الإنسان، بل هو من مقوّماته، التي تؤكّد إنسانيته، إنّما يحتاج إلى صقل وتنمية وتطوير ليؤدّي مهمّته أو وظيفته ليدرك الجمال الذي خلقه الله - عز وجل - في الأشياء التي أحسن خلقها، وأتقن صنعها، هذا الذّوق يدفعه أن يكون جميلا في سلوكه ومعاملاته وفي علاقاته مع المحيط الخارجي.

(1) - ينظر موقع النّيل والفرات www.neelfurat.comhttp:||

(2) - عبد الله الطّنطاوي، محمد الحسناوي، في الدّراسة الأدبية، تذوّق النّصّ الأدبي، دار الضّياء للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 2001م، ص: 8، 9.

٨٥ / ٣٣٣