مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

في الجمل الآتية نقرأ الجمال، وفي الكلمات الآتية نتملّى الحسن، وفيها نجد الدّليل المادي المحسوس على قيمة الذّوق السّليم في إيجاد الجمال، وتسجيل الحسن. قال الشّيح حمّو بن عمر فخّار (1337 - 1426هـ/1919 - 2005م) محيّيًا كوكبة من الشّباب أقاموا مهرجانًا ثقافيًا، وكان أهمّ ما فيه مشاركات أدبية فنية بديعة، سجّل شعوره بالاغتباط والسّرور والانشراح بأسلوب رفيع، وكلم بديع، ينمّ عن حسّ مرهف، وذوق شفّاف: «والرّابطة المحكمة التي تجمعنا: حبّ الرّوعة، وتعشّق الرّفعة، والإعجاب بالإبداع والذّوق السّليم … لذلك -تجدنا- نعانق الجمال ونتملاّه من أيّ سماء نزل، وننشق العبير من أيّ روض فاح، ونرشف الماء النّمير من أيّ نهر تدفّق، ونرتاح للخرير على أيّ صخرة انحدر وانهمر … نطرب للصّوت الرّخيم، لا نبالي حنجرته، ونغتنم هبّ النّسيم، ولا نعارض وجهته .. اليد الصَّنَاع نربت على كتفها، والعبقرية المبدعة نسبّح بحمد خالقها … أمّا سحر البيان فلشاعره منّا قلادة المديح، ولناثره عندنا صرّة من خزانة سخيّ غير شحيح .. »(1).

هذا الجمال هو حقيقة موجودة في الكون، يعلن عنها الفكر، ويصوّرها الفنّ أحسن تصوير، يقوم المتأمّل فيها باكتشافها، هذا فعل التّذوّق الأدبي. يقول محمد المبارك: « … فالفكر يسجّل الحقيقة وبعبّر عنها، وقد ينشئها ويدفع إلى تحقيقها، والفنّ يصوّر الجمال ويعبّر عنه، وقد ينشئ الجمال ويبدعه، والحقيقة والجمال في الحياة والطّبيعة ملتقيان، فالشّجرة والنّهر والزّهرة والشّوكة والجبل والسّهل والشّمس والقمر والنّجوم والفراشة كلّها حقائق من حقائق الكون، ولكلّ منها جماله»(2).

يحتاج التّذوّق الأدبي إلى توفير الشّروط التي يدرج فيها ويترعرع، وينمو ويتطوّر ويرتقي؛ حتّى يثمر الثّمار اليانعة، وينتج النّتائج الرّائعة في الفنّ. يقول عبد القاهر الجرجاني: «وبقدر ما يكون المرء من التهاب الطّبع وحدَّة القريحة، بقدر ما يكون يتغلغل في الأسرار. وبقدر ما تكون له ألمعية يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفيّ»(3).فما هي هذه الشّروط؟

(1) - حمّو بن عمر فخّار، وقفات ومواقف، نشر جمعية التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2002م، ص10.

(2) - محمد المبارك، دراسة أدبية لنصوص من القرآن، ط4، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، لبنان، 1392هـ/ 1993م، ص: 93.

(3) - الدّكتور محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، دراسة نقدية إبداعية، ط2، دار البشير، عمّان، الأردن، 1412هـ/ 1991م، ص: 22. ينظر عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ط2، مكتبة القاهرة، القاهرة، 1961م، ص: 293، 296.

٨٦ / ٣٣٣