مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٠الأصوات نفسها التي يتكوّن منها اللّفظ تتداخل وتتمازج ويتألّف من مجموعها أنغام جديدة. هي نتيجة التّفاعل بين الحروف والمقاطع الصّوتية التي يتألّف منها الكلام»(1).
هذا يعني أنّ الكلمة هي محور الاهتمام والنّظر في أي معالجة للنّص، ينظر فيها من حيث كونها مفردة، وفي وجودها في تركيب، ويتعامل معها مجموعةَ أصوات متجاورة، ومن منظور المعاني التي تتجمّع منها مع كلمات أخرى، ثم من حيث أثرها مفردةً أو مركّبةً، في جمل مع جاراتها من الكلمات الأخرى المؤثّرة في السّمع والذّهن والوجدان. بذا يتبيّن قيمة الكلمة في النّص الأدبي، وأساليب استعمالها.
كما أنّ قيمة الكلمة تتجلّى في نجاحها في التّبليغ، الذي يعني هنا البلاغة؛ إذ البلاغة هي نجاح المخاطب في بلوغ الغاية من إيصال المعنى إلى المخاطب، أي تبليغه ما يراد من فكر وشعور. كما تعني جمال الكلام الأدبي. أو هي الجمال الأدبي ذاته، الذي يضمّ معاني جيّدة وأسلوبًا جيّدًا. إنّ الجمال الأدبي ينطلق من الكلمة، ويعمّ المعنى والمبنى معًا. هذه الحقيقة تبيّن قيمة الكلمة في النّظم. وهذا الجمال الشّامل للطّرفين يعني «بلوغ المعنى واضحًا كاملا، محرّكًا للذّهن في قالب ممتع جميل، تنفعل به النّفس، ويرتاح له الذّوق السّليم … والكلمة الجيّدة أيضًا هي التي تطرب لها الأذن، ويرتاح لها الذّوق بعذوبة ويسر، ويطيب للإنسان أن يردّدها، وكلّما فعل ذلك وجد فيها متعة متجدّدة وانفعالاً لذيذًا»(2).
الظّفر بالكلمات الجيّدة المفصحة المبلّغة يخضع إلى الاختيار الجيّد. هذا الاختيار يستند إلى ضابط وحاكم يحكم بمناسبة الكلمات للمقام والحال، وملاءمتها للفكرة والشّعور … أو عكس ذلك. هذا الضّابط أو الحاكم لن يكون سوى الذّوق السّليم. والمقاييس التي تستعمل تنبثق منه. وهي «تتجلّى في دقّة اللّفظة، وحسن جرسها، وتآلف حروفها وأصواتها، واتّفاقها مع ما قبلها وما بعدها من اللّفظ، لا في المعنى فحسب، بل في الشّكل أيضًا، فالذّوق السّليم يقدّر موقع الكلمة، والأبعاد الصّوتية التي يقتضيها، ونوع الحروف التي تتلاءم وجوّ المعاني … »(3) ومدى التلاؤم بين الفكرة والصياغة: إنّ أي نص