مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

واحدة، تقلّ فيها المدود، وتتوالى حروفها المتحرّكة، ممثّلة بذلك حركة الخيل في عدوها ووقع حوافرها، ثمّ ارتفاعها. والقسم الثّاني: أطول نفسًا، وأكثر مدودًا، وكأنّه يشير بمدوده الطّويلة إلى التّأمّل الطّويل والهدوء النّفسي (كنود، شهيد، شديد). والقسم الثّالث: يجمع بين المدود الطّويلة في بعض أجزائه (أفلا يعلم إذا) وتوالي الحبكات في كلمات أخرى (بُعْثِرَ).أمّا القسم الأخير: فإنّه ذو نغمة هادئة، ناشئة عن المدود والميم السّاكنة والتّنوين، ويلاحظ أنّ لبعض ألفاظ السّورة حرْسًا موسيقيًا واضحًا مناسبًا لمعناها، مثل كلمتي (قدحًا ونقعًا)، المناسبتين لوقع حوافر الخيل، وكلمة (بُعثِر) المناسبة لانتشار أجساد الموتى بعد خروجها من الأرض، ومثل كلمة (حُصِّل) الدّالة بصادها المشدّدة على شدّة التّقصِّي والجمع.

هذا التّناول للّغة انطلاقًا من اللّفظة وسياقها ومجاورتها لغيرها في نظم محكم، وتحليلها بما تتوفّر عليه من فنّية وجمالية ودقّة في التّعبير والتّصوير، يبيّن أنّ اللّغة تبرز على حقيقتها إذا تُنووِلت في عمليّة شاملة لفروع كثيرة من مكوّنات اللّغة ومقوّماتها، إذ بذلك تستثار ملكة الحسّ، وتستفزّ غريزة التّذوّق، فتتعاونان على استخراج مكامن الجمال في النّصّ المبني والمؤسّس من الألفاظ منتظمةً في جمل ..

هذه العملية تمثّل ما يسمّى بالأسلوب، الذي هو الطّريقة التي يعتمدها الأديب في تأليف كلامه للتّعبير والتّصوير. وفيه تظهر براعته، ويبرز إبداعه، ويتشكّل ذوقه .. «والأسلوب أفضل معرض لقوّة الإدراك ويقظة الشّعور، وحسن الذّوق .. ولا يتأتّى لامرئ أن يكون ذا أسلوب أصيل جميل، إلاّ بعد مران طويل، ومطالعة لا تفتر لأجود الآثار الأدبية، وتنمية للذّوق، وفهم لحقيقة الأدب، وتمييز للأساليب، واستعداد للإبداع في هذا المجال»(1). ودراسة الأسلوب تعني تناول نوعه وجماله وحسنه، وطبيعته وصناعته، وقوّته، ومدى تفنّن الأدباء فيه، إبداعا وإمتاعًا وبيانا وبلاغة … وما يكون فيه من سلبيات … هذه النّواحي يهدي إليها الذّوق السّليم.

الكلمات التي ضمّنها الكاتب لبيان حقيقة الأسلوب، ومكانته في الكتابة، تبيّن دور الذّوق الأدبي في عملية التّعبير والتّحبير والتّصوير، إلى جانب عبارتَي: حسن الذّوق، وتنمية الذّوق، وردت العبارات الآتية: «قوّة الإدراك، أسلوب أصيل جميل، فهم لحقيقة الأدب، تمييز

(1) - البلاغة والتّحليل الأدبي، ص: 209، 210.

٩٦ / ٣٣٣