مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٦5 - يقدّم معلّم اللّغة العربية درس النّحو متّصلا بالدّرس البلاغي -بخاصّة- للعلاقة الوطيدة بينهما، واستثمارهما معًا في تحليل الظّواهر اللّغوية والنّصوص الأدبية .. فهذا مطلب بيداغوجي منهجي وأساسي في العمليّة التّعليمية التّكوينية؛ فهو يساعد على استكناه أسرار اللّغة في النّصوص، وتنمية الذّوق في النّاشئة، وفي مَنْ يُتحاورُ معهم في تناول اللّغة، ومعالجة قضاياها. «لقد تفطّن القدماء إلى أنّ الدّرس النّحوي وحده غير كافٍ لفهم أسرار الخطاب، إذ إنّ الدّرس البلاغي كان ضروريًا أيضًا، ولهذا نصّت المدرسة البصرية على ضرورة الاهتمام بالدّرس البلاغي. وهكذا صار النّحو والبلاغة يشتركان في خدمة اللّغة، فالنّحوي يعلّم قواعد الإعراب، ودلالة الألفاظ على المعاني، والبلاغي يعلّم أسرار اللّغة وتميّز أساليبها. وفي هذا السّياق يقول ابن الأثير: «البلاغي والنّحوي يشتركان في أنّ النّحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللّغوي، وتلك دلالة عامّة، وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدّلالة، وهي دلالة خاصّة، والمراد بها أن تكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء الإعراب»(1).
تضافر النّحو مع البلاغة في الدّرس اللّغوي، يقدّم الدّلالة المعنوية الحقيقية للألفاظ ملفوفةً في ثوب قشيب بديع، يبرز حسنها وبهاءها، وجماليتها التي تحتويها، وبذلك يستمتع المعنيُّ بهذا الدّرس بنشوة استكناه لبّ الكلمة وما يختزن بداخلها، هذه العمليّة تعين ذوقة على النّموّ والسموّ، والرقيّ …
6 – أفضل طريقة لتحصيل اللّغة وتحصينها هي معرفة القضايا النّحوية في تفاعل تامّ مع القضايا الأخرى البلاغية والصّرفية داخل السّلسلة الكلامية، بعيدًا عن القواعد الجافّة والتّقديرات الافتراضية .. إنّ ما يثقل كاهل المتعلّم، ويتعب نفسه ويرهقها ويزرع فيها الملل والاشمئزاز من تعلّم اللّغة … ما يجده من جفاف في أساليب تعليمها، وجمود في طرق تلقينها، والإكثار من التّهويمات والافتراضات اللّغوية؛ فتغدو اللّغة أمامه قوالب جاهزة جامدة، أو قواعد صارمة مفترضة، يتعب عقله في إدراكها،
(1) - الدّكتور محمد القاسمي، «تفاعل النّحو والبلاغة في تحصيل اللّغة العربية»، كتاب: العربية الرّاهن والمأمول، منشورات المجلس الأعلى للّغة العربية، الجزائر، 2009م، ص: 449. ينظر ابن الأثير، المثل السّائر في أدب الكاتب، ج1، تحقيق محمد محيي الدّين عبد الحميد، المكتبة العصرية للطّباعة والنّشر، صيدا، لبنان، 1990م، ص: 39.