مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٧ويشقى خياله في تصوّرها .. بينما حين تقدّم هذه القواعد في تفاعل وتلاقح وتناغم وتحاور مع بقية فروع اللّغة، فإنّ هذا التّفاعل ينتقل إلى داخل نفس المتعلّم فينفعل انفعالا إيجابيًا، يدفعه إلى البحث عن أسرار هذه اللّغة ومقوّماتها، ومنها الجمال الذي يقبع داخلها؛ بفضل المعارف التي تمدّه بها فروع اللّغة المختلفة. يقول الدّكتور محمد القاسمي، بعد أن عاب على المناهج التّربوية في مختلف المستويات التّعليمية الفصلَ في الدّرس اللّغوي بين هذه الفروع: « … فالبلاغي محتاج قبل تحليل النّصّ الفنّي والكشف عن أسراره الجمالية إلى معرفة اللّغة التي يريد أن يخاطب بها من مفرداتها وتركيبها، فإذا لم يعلم ذلك لم يكد كلامه أن يفهم، وهذه المعرفة تحصل له من علم اللّغة والنّحو، فإن حاول تكلّم اللّغة من دون هذه المعرفة الضّرورية كان كلامه كما قال الحطيئة وهو يتحدّث عن الشّعر: (يريد أن يعربه فيعجمه)، ولكنّه إذا علم اللّغة والنّحو والصّرف فإنّه يستطيع أن يعبّر عن حاصل المراد وأصل المعنى»(1).
نادى بهذا المطلب منذ القديم عبد القاهر الجرجاني، فقد نبّه إلى ضرورة توسيع أفق النّحو وتطويع أدواته، حتّى يُتمكَّن من اكتشاف مواطن الحسن والجمال في اللّغة. ما نبّه إليه عبد القاهر الجرجاني يبيّن مدى ارتباط فروع اللّغة العربية ببعضها، وكذلك يثبت دور اللّغة في الارتقاء بالذّوق الأدبي. فدراسة البلاغة مثلا ضمن فضاء النّحو، وقيامها على دعائمه ييسّر وينتج سبل إدراك الجمال والحسن(2).
7 - في حصَّة القراءة التي تقرّر للتّدريب على القراءة الصّحيحة، وفي الوقت نفسه
(1) - اللّغة العربية الرّاهن والمأمول، ص: 449. يفرّق الدّكتور شكري فيصل بين تعليم اللّغة واكتسابها. يقول: «اكتساب اللّغة لا تعليمها .. والاكتساب لا يكون في ساعة واحدة من ساعات اللّيل والنّهار، ولا يكون في بيئة ضيّقة صغيرة، إذا قيست بالبيئات الطّويلة العريضة، التي يتقلّب فيها الإنسان العربي. اكتساب اللّغة هو معرفة أقصر الطّرق إلى ممارستها في كلّ حالات الوجود اليومي، وفي كلّ المواقف والمواقع .. وما نفعله الآن لا يعدو أن يكون تعليمًا جزئيًا، يرمي به الطّالب فور خروجه من قاعة الامتحان .. هذا إذا استطاع أن يحمل منه شيئًا». (الدّكتور شكري فيصل «قضايا اللّغة العربية المعاصرة، بحث في الإطار العام للموضوع»، كتاب: من قضايا اللّغة العربية المعاصرة، المنظّمة العربية للتّربية والثّقافة والعلوم، تونس، 1990، ص: 44).
(2) -ينظر عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رشيد رضا، 1960م، ص: 67. ومحمد القاسمي، كتاب العربية الرّاهنوالمأمول، ص: 450.