مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٩10 - تخطيط المنازل وتفاصيل هندستها المعمارية (في القرية والواحة):
بالنسبة لتخطيط المساكن في مزاب فإنه ليست هناك أنواع مختلفة من الدور بل شكل الدار واحد، قد يختلف اتساعا وضيقا تبعا لحاجة كل عائلة على حسب عدد أفرادها، أما العلو فهو واحد والشكل واحد، فليس هناك دار للغني ودار أخرى بشكل آخر للفقير، وهذا يدل دلاله صادقة على مدى المساواة التي كانت منتشرة بين السكان.
وأول ما يستوقف نظرك في الدُّور هو الاكتفاء الذاتي في المواد أو سياسة الإمكانيات، فقد اختاروا مادة «تِمْشَمْتْ» وهي موجودة، والحجر الصغير وهو موجود ولا يحتاج التقاطه من الجبال أو اقتلاعه عناءً، والجريد والأخشاب من النخيل، وأكثر الأثاث الذي يحتاج في الدار مبنِيٌّ اقتصادا في الخشب لأنه كان قليلا ونادرا جدا، فيصنعون أبواب الدور والحُجْرات بخشب النخيل، ولذلك يضيّقون الأبواب ويستغنون عنها في المطبخ والمرحاض وما لا ضرورة إليه، ويبنون مرتفعات من الأرض لوضع أمتعتهم والدكاكين(1) للنوم والصلاة.
وكل الدور القديمة التي رأينا والتي لا تزال بقايا منها موجودة تنطق وتعبر تعبيرا صادقا عن مدى ما استعمل الأولون من ذكاء في البناء على بساطته منها مثلا هذه المادة التي يبنون بها فهي لا تتأثر بالحرارة القوية ولا بالبرودة فنجد الدور التي بُنيت بها إلى اليوم باردة في الصيف دافئة في الشتاء، وهو ما يسمى اليوم _تكييف الهواء_ فهذه الدور لا تحتاج إلى تسخين أو تبريد، ثم إن هذه المادة نستطيع أن نبني بها جدرانا صحيحة بحجر صغير وهو موجود بدون عناء، ثم إن تصغير الأبواب يستجيب إلى شيئين أولا: التقليل من حرارة الشمس في الصيف ومن الضوء تبعًا لذلك والتخفيف من حدة البرد، ثم ثانيا: الاقتصاد في الخشب الذي كان نادرا أو غاليا.
جعل الدور مفتوحة نحو السماء منغلقة عن الجيران يستجيب لمطلبين، أولا: أن النساء يقضين أكثر الأوقات في البيوت ولا يخرجن إلا قليلا فلابد لهن من فسحة واسعة يتمتعن فيها بالشمس، وقد رأينا حرصهم على مقدار من الشمس يدخل الدار لما للشمس من أثر على صحة السكان، ثم انعدام الشبابيك وتعويضها بِكُوًّى صغيرة جدا
(1) - ج دُكَّانة: وهي مرتفع قليل من الأرض يبنى لغرض رفع أماكن الصلاة والنوم عن بقية أرض المنزل.