مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٥متأثّرة بالحياة»(1). ويقول أيضًا: «الأسلوب ليس مجرّد طريقة للكتابة، يتعلّمها من يشاء، بل هو صورة لغوية، تنقل بدقّة العواطف والأفكار الخاصّة بالكاتب … »(2)، هذه هي العلاقة بين الأدب واللّغة، إنّهما مترابطان ومتداخلان أو مشتركان في أداء وظيفة النّقل والتّبليغ، أو لنَقُل كلّ منهما يحتاج إلى الثّاني في هذا المجال.
تحقيقُ هذه الغاية، والوصول إلى الأهداف المنشودة والمنوطة بالأدب - الذي ينطلق من الكلمة، وينبني على اللّفظ - وتجسيدُ هذا المفهوم للأدب المرتبط باللّغة، يحتاج إلى عنصر مهمّ في عمليّة البناء الأدبي هو «التّذوُّق الأدبي». يقول جودت الرّكابي: «عندما نتحدّث عن الأدب وطريقة درسه ونقده، نأتي على ذكر تعبير (التّذوُّق الأدبي)، ويقصد به في عرف الأدباء والنّقاد تلك الملكة الموهوبة التي يستطاع بها تقدير الأدب الإنشائي، والمفاضلة بين شواهده ونصوصه، أو تلك الحاسّة الفنّيّة التي يهتدى بها إلى تقويم العمل الأدبي وعرض مزاياه وعيوبه، وملكة التّذوّق لا تحصل بمعرفة طائفة من القواعد والقوانين التي استنبطها أهل البيان، ولكنّها تكتسب بممارسة الكلام الجيّد والتّفطّن لخواصّه ومزاياه، مع توافر الاستعداد، واستجابة الطّبع»(3).
اللّفظة تختزن طاقات هائلة كامنة فيها، تحتاج إلى من يفجّرها بالأساليب والطّرق المناسبة، والأدب مجال كبير وفسيح لتفجير هذه الطّاقات. من جملة ما تخفيه اللّفظة وتضنّ به الإيحاءُ، الذي لا تسمح بظهوره إلى على يد الأدب، ولا تمنح فرصة امتطائه إلاّ على صهوته، فالإيحاء يسمح بالكشف عن وجه من وجوه الحسن والجمال والقوّة في اللّفظة منتظمةً في خيط مع زميلاتها؛ لتكوّن نظمًا محكمًا يُبين عن المكنون، ويفصح عن الأفكار، ويفضح المشاعر، ومن جماع ذلك يتقدّم المتلقّي ليتملّى الرّواء والبهاء اللّذين يقدّمهما الإيحاء، بواسطة الذّوق السّليم. يقول مصطفى لطفي: «أمَّا ميزة اللّغة حين تستخدم استخدامًا أدبيًا، فهي أنّها إيحائية، لا تكتفي بالقول والتّعبير، بل تهدف إلى التّأثير
(1) - اللّغة العربية في إطارها الاجتماعي، ص: 197.
(2) - المرجع السّابق، ص: 199.
(3) - المرجع السّابق، ص: 182.