مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٧إذن «حين يكون الشّاعر في حالة كبيرة أو عالية من التّوتّر النّفسي والتّدفّق الشّعوري، يكثّف من لغته الشّعرية، ويلجأ إلى اللّغة القويّة، وإلى الرّموز، التي تختصر الطّريق بينه وبين المتلقّي، وهو ما يعينه على إيجاد صور موحية مؤثّرة، معبّرة عن المشاعر بقوّة، مصوّرة المواقف والمواقع بصدق»(1).
هذه المعاني ضمّنها الشّاعر لفظة (نطق) وكثّف فيها مشاعره، وأرسلها من غياهب السّجن المظلم، لتضيء طريق النّضال للسّائرين فيه خارج المعتقل.
الذّوق العالي عند المتلقّي يعينه على اكتشاف هذه المعاني، ومعرفة مشاعر الشّاعر، وهو يغوص في النّصّ، ويربط أجزاءه ببعضها، ويجهد في إيجاد العلاقات التي تصل بين الكلمات والجمل. بهذا ندرك قيمة التّذوّق الأدبي، ونقف على دور اللّغة في الارتقاء بالذّوق الفنّي.
3– تأمّل دقّة استعمال الألفاظ؛ لنقل المشاعر، والتّعبير عن الأحاسيس، وتصوير المشاهد، وإبراز الشّخصية … في كتاب: «في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف» نماذج كثيرة محلّلة ومبسّطة ومعروضة ومقدّمة بعنصر التّذوّق الفنّي، الذي ينطلق من دلالة اللّفظة. نأخذ مثالا من تعليق الكاتب على الآية: ژ?? ژژڑڑککککگگگگژ (يوسف/8) « .. وأحبّ إلى أبينا منّا: تركيب بالغ الجمال، فائق الحسن. وهو تعليق ألفاظ على بعض، فيها من الانسيابية والموسيقى الدّاخلية ما يجعل حروف الجرّ ذات طعم مميّز. إنّ حروف الجرّ في اللّغة العربية ما كانت لتكون بأحسن من مثل هذا السّياق، وهذا التّعبير، وهذه التّحوّلات في المواقف والعواطف.
وتقديم (إلى أبينا) على (منّا) واضح التّركيز على ما يعلّقه الإخوة على اللّفظة الدّالة على الأب، مركز هذا الثّقل والتّجاذب. وها هي اللّفظة الدّالة على الأب لهي في مركز القضية معنى، وهي في مركزها لفظًا ومساحة وتوسّطَا من الجملة، وللقارئ أن يتخيّل
(1) - محاضرات عن الثّورة التّحريرية الجزائرية، ص: 122. ينظر أمثلة عن توظيف الشّاعر للفظة (نطق) بتكثيف وقوّة: اللّهب المقدّس، ص: 31، 42، 44، 134. ومجلّة الأصالة (وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينية، الجزائر)، ع: 13، مارس، أفريل، 1973م، ص: 59 …