مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

أوتادًا مشدودة إلى المركز والوتد الذي يمثّل الأخوين قريبًا من المركز قربًا يفوق أوتاد الإخوة (العصبة)، وواضح أنّ جملة (ونحن عصبة) جملة حالية من الضّمير في منّا. وقولهم: (إنّ أبانا لفي ضلال مبين) جملة عربية، حوت من أساليب التّوكيد وقوّة الرّأي أعلاها. إنّ: حرف توكيد، واللاّم المزحلقة للتّوكيد. والإضافة فيها عنصر التّوكيد أيضًا. والنّعت (مبين) فيه زيادة توكيد أيضًا»(1).

نقدّم مثالاً آخر من تحليل الدّكتور محمد الأمين الخضري، الذي ركّز على الدّقة في استعمال اللّفظة، والتي تنتج عنها دلالات بليغة، تربط بين المعاني التي يحملها النّسق، والنّجاح في حسن تصوير المشاعر، وتبليغها إلى المتلقّي … يحصل هذا من حسن التّأمّل والتّملّي اللّذين ينتجان عن الذوق المرهف، ويقود إلى ترقية التذوّق. هذا المثال من عمليّة تجلية المعاني من بعض الألفاظ في سورة المدَّثِّر.

يقول الدّكتور: … فهذا لفظ (المدّثّر)، الذي جيء به ملاطفة للنّبيّ، في مطلع السّورة، وأصله (المتدثّر) أبدلت التّاء (دالا)، وأدغمت في مثيلتها، وهي تحمل نفس المعنى، لكنّ الإدغام جسّد حالة المبالغة في التّخفّي؛ إيماء إلى شدّة الفزع. فجاء إدغام الحروف، وهو نوع من الإخفاء محاكاة للمعنى. وعلى العكس من ذلك فكّ الإدغام في قوله (ولا تَمْنُنْ) مع صحّة الإدغام. وذلك لأنّ في الفكّ وضوحًا، وتكرار الحرف يتناسب مع حبّ الظّهور والشّهرة الذي هو معنى المنّ. وكلمة (الرُّجز) المعبّر بها عن العذاب أو الإثم، تُشيع بجرسها وأصول مادّتها جوًّا من النّفور واستقذار المعصية؛ لأنّ من دلالتها معنى القذر، وذلك يتناسب مع الأبرار الذين تنفر طباعهم من المعاصي، وهو السّرّ الذي من أجله عُبِّر بالهجر، بدلا من التّرك في قوله (والرُّجز فاهْجر)؛ لأنّ الهجر يشي بالقطيعة والتّدابر. فإذا ما لجأ السّيّاق في التّهديد، وتعالت نذر الوعيد اكتسبت الألفاظ أردية القوّة والخشونة. فالنّفخ في الصّور يُعبّر عنه بالنَّقر في النّاقور، والنّقر هو الفزع، والمادّة بدلالتها تصوّر أجواء هذا اليوم، وما يحيط به من الأهوال، وهي بجرسها وصيغتها تدقّ طبول الفزع وأجراس الخطر. ويختار القرآن مادّة (الرّهق) بما تحمله من معنى القهر للدّلالة على ما يلحقه الله بـ (الوليد) من العذاب في قوله (سأُرهقه صَعودًا)، وتتجاوب معها في

(1) - في التّذوّق الأدبي لسورة يوسف، ص: 62، 63.

١٢٤ / ٣٤١