مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٩التّصاعد بالمشقّة والإرهاق (صعودا)، حتّى لكأنّنا نرى (الوليد) ونحسّ أنفاسه المتقطّعة، وهو يتصعّد في عقبة شاقّة …(1)
التّأمّل في اللّفظة القرآنية، وملاحظة دقّة استعمالها، يعين على استخراج ما تحمل من حسن وجمال، وما تتضمّن من معان عالية، وقوّة البيان الذي تشتمل عليه .. هذه العمليّة يدفع إليها الحسّ المرهف، وقوّة الإدراك اللّذان ينتجان ما يسمّى بالتّذوّق الفنّي الجميل. إذن اللّفظة إذا اسْتُكْنِهَت وغيص إلى أعماقها، وربطت بما جاورها؛ بما يدفع إليه أو يهدي التّذوّق الأدبي أثمرت مثل هذه النّتائج.
4– من العناصر التي تبرز الجمالية في النّصّ الأدبي، وفي نظم القرآن المبين البديع، عنصر الحبكة، التي نشدّ إليها خيوط الموضوع أو القصّة، أو الأحداث التي تحرّك المسار وكلّ ما يتّصل بمشاهدها ونسقها … ، وهو ما يطلق عليه بعض الدّارسين بؤرة النّصّ، أو نقطة المحور أو المركز الذي تدور حوله بقية النّقط … وتكون هي نقطة الارتكاز في النّصّ. «ولأنّ قصّة يوسف - عليه السلام - مقصود بها وضع الأمور في إطارها الصّحيح، وشدّ الخيوط إلى حبكة واحدة متجانسة، تحت مظلّة الفكر الإسلامي والرّؤية الإسلامية، كان قوله تعالى افتتاح السّورة الكريمة: ﴿الر تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)﴾ (يوسف/ 1 - 3)
بعض الألفاظ التي بدئت بها السّورة تكشف عن بعض ملامح النّظم الذي تميّزت به السّورة، فهناك (أحسن القصص، المبين … ) وهو ما يدعو إلى التّأمّل فيها، وتملّي هذا الجمال، والتّذوّق الأدبي يعين على ذلك، كما أنّ الذّوق الفنّي نفسه يرتقي بإعماله.
القرآن والدّراسة الأدبية والارتقاء بالذّوق الأدبي
اللّغة العربية مرتبطة بالقرآن الكريم، الذي أبرز حسنها وجمالها وجلالها .. إنّ لغة القرآن الرّاقية في دلالتها، القويّة في تعبيرها، تمتاز بخصائص جعلتها تتسنّم الذّروة في البلاغة والبيان، وقد فتحت لغة القرآن المجال واسعًا للكتّاب والشّعراء لكيفية الإفادة منها،
(1) - ينظر أساليب التّعبير الأدبي، ص: 23، 24. تراجع الآيات: 1 – 17، سورة المدّثّر.