مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٠والتّفنّن في أضرب القول، وأفادت طرق التّعامل مع اللّغة وأساليب التّعبير، وأتاحت الفرصة للمعلّمين والمكوّنين في حذق سبل إعداد المتعلّمين اللّغة السّليمة، وغرس حاسة التّذوّق فيهم. وألهمت الكتاب والشّعراء ضرورة الالتفاف حول اللّغة العربية للمحافظة على الكيان، وتربية الوجدان، وتنمية الذّوق، وتهذيب أسلوب الكتابة …
يقول محمد المبارك: « … ويمكن أن ينظر إلى القرآن من ناحية فنّية وطرائق تعبيره – فقد عرف القرآن بفنّ خاصّ انفرد به – فتدرس الوسائل الفنّية التي كانت فيه مظهرًا للمعاني والأفكار والفنون الأدبية التي تفرّقت في سوره وآياته، وطرائق القرآن في صوغ الكلام وتركيبه، وفي نظمه وترتيبه، وما يتكوّن من ذلك من نغمات موسيقية، تتجاوب مع الموضوع، وما يتألّف منه القرآن من مفردات لغوية، لم تكن فيه على أنّها وحدات فكرية فحسب، بل وحدات فنّية أيضًا، لها خصائصها الفنّية، كما أنّ لها خصائصها الفكرية والمنطقية»(1).
إنّ ما يتميّز به القرآن من نظم محكم، ونسيج مترابط … يكون رافدًا ومعينًا ومنهلا لغرس ذائقة الجمال والحسن في الكتابة الفنّية الأدبية، ثمّ التّدريب على حسن صوغ بديع الكلام والقول. قال عن لغته مصطفى صادق الرّافعي: «أيّ معنى أعجب من أن تتجاذبك معاني الوضع في ألفاظ القرآن، فترى اللّفظ قارًّا في موضعه، لأنّه الأليق في النّظم، ثمّ لأنّه مع ذلك الأوسع في المعنى، ومع ذلك الأقوى في الدّلالة، ومع ذلك الأبدع في وجوه البلاغة، مع ذلك الأكثر مناسبة لمفردات الآية، ممّا يتقدّمه أو يترادف عليه … »(2). قال الإمام إبراهيم بن عمر بيُّوض: « … إنّ مقصدي من هذه الدّروس … أن أخلق عقولاً تتذوّق بلاغة القرآن، ونفوسًا فيها طهر القرآن، وتلامذة مصلحين يكونون جند القرآن … »(3). هدف الشّيخ هو إنشاء أجيال تفهم بلاغة القرآن، وإعداد نفوس
(1) - دراسة أدبية لنصوص من القرآن، ص: 92.،
(2) - مصطفى صادق الرّافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النّبوية، ط8، دار الكتاب العربي، ببيروت، (ب. ت)، ص: 247.
(3) - محمد علي دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج،2ط1، المطبعة العربية، الجزائر، 1391هـ/ 1971م، ص: 30.