مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٦مجالات من قبيل آداب المفسر(1) وشروط المجتهد(2) وضوابط القضاء(3)، وهي في عمومها آداب افتراضية وشروط قياسية تتكرّر هنا وهناك ويتمّ استهلاكها بطريقة نمطية لا تستجيب أحيانا لتطوّر التاريخ ورهاناته. وآية ذلك أنّ المفتي لا بدّ أن يلمّ بعلوم العربية بكلّ تفريعاتها، وأن يستوعب بقية العلوم الشرعيّة من أصول وفقه وتفسير وأن يكون مطلعا على مختلف الاجتهادات المذهبيّة والآراء الكلاميّة، ومن جهة ثانية لا بدّ أن يكون كاملا في أخلاقه معصوما من الكذب، ممثّلا للحقيقة كما أرادها الشارع، موقّعا في فتاويه باسم الله، وهو من جهة ثالثة عاقل قويّ الشخصية والبدن صبور لا يتسرّع في إصدار الحكام، وكذلك موهوب يكتسب من الملكات ما لا يكتسبه غيره من الخلق، وكأنّه بهذا المعنى كائن أسطوريّ يتعالى عن التاريخ، ولكنّ المشكلة أنّ من يتتبّع خطاب الفتاوى المعاصرة حتّى من قبل من يسمون أنفسهم «كبار العلماء» يلاحظ وجود أخطاء كثيرة على مختلف المستويات منها ما تعلّق باللغة العربية استعمالا واستنباطا ومنها ما تعلّق بدقّة المعارف وفهم سياقات الفكر الإسلامي … الخ
* بعض الشروط الأخلاقيّة والخلقيّة تدعو إلى الاستغراب، فما معنى أن يشترط أحدهم أن يكون صاحب الفتوى مسلما، أو عاقلا غير معتوه؟ وما معنى أن يكون غير مبتدع وأن يكون صالحا مستقيما وأن يكون قادرا على التمييز؟ إنّ هذه الشروط وغيرها ممّا لم نذكر تؤكّد أنّها لم تكن غير مواصفات ثابتة تناقلتها الذاكرات وأعادت صياغتها بطريقة لا تستجيب لمبادئ الفتى في حدّ ذاتها كما رسم معالمها الأصوليون القدامى.
* تعكس بعض هذه الشروط رؤى ضيّقة ومنزعا اقصائيا يتنافى مع مبادئ الحوار والعيش المشترك والاعتراف بالآخر. ولهذا الإقصاء عدّة تجلّيات، فهو إقصاء مذهبيّ
(1) ـ راجع في هذا الإطار رسالة الماجستير التي أعددناها تحت عنوان «علم التفسير من خلال كتاب البرهان في علوم القرآن» لبدر الدين الزركشي، تحت إشراف توفيق بن عامر، ونوقشت سنة 2006 بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، وخصصنا في هذا العمل مبحثا يهتمّ بشروط المفسر.
(2) ـ تعمّق علماء الأصول في ضبط شروط المجتهد ويمكن مراجعة أمهات الكتب في هذا المجال.
(3) ـ يمكن مراجعة:
- محمد الزحيلي، القضاء في الإسلام، دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، 1998 (سلسلة: دراسات إسلامية)
- محمد حسين فضل الله، فقه القضاء، دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2004.