مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

بامتياز عندما يستحضر مقولات المذهب دون التفكّر في مرجعيّة الفكر الإسلاميّ في ثرائه وتنوّعه، ولذلك اشترط علي جمعة في المفتي «معرفة المصادر المعتمدة في كلّ مذهب فقهي من المذاهب الموثّقة» واقترح في فتواه نماذج مختلفة من كتب اعتبرها أساسية لمعرفة أصول كلّ مذهب من المذاهب الإسلامية. وهذا المنزع الاقصائي نرصده في الفتاوى السنية والشيعية الإثني عشرية وهو أقلّ حدّة عند الإباضيّة والزيديّة والإسماعيليّة، ولعلّ هذا يعكس طبيعة فقه الأقليات المذهبية التي تسعى دائما إلى إيجاد سبل التواصل مع الآخر.

ولا نبالغ إذا اعتبرنا هذا المنزع المذهبي الاقصائي من أهمّ معوّقات التقريب بين المسلمين لأنّه يكرّس الحدود التي طوّق بها كلّ مذهب نفسه لقرون عدّة، ولا يمكن الخروج من هذه الدائرة الضيّقة إلا باعتماد المقارنات وربّما التأسيس لـ «فتاوى مقارنة» تعطي المقلّد إمكانية الاختيار بين اجتهادات مختلفة دون التقيّد برأي أو حكم. ولعلّ من وجوه الإقصاء المذهبي المعرقل للتقريب اشتراط الدراسات الحوزوية وهذا الشرط ملزم للمذهب الشّيعيّ الإثني عشري فقط ولا ينسحب على بقية المجموعات الدينية.

ومن وجوه الإقصاء أيضا حصر الإفتاء في الذّكور دون الإناث ولعلّ هذا الحصر نتاج طبيعي لما طرأ على الفتوى من انزياح خطير تحوّلت بموجبه من خطاب استشاري إلى خطاب إجرائي إلزامي يعكس سلطة روحية وعملية، وهذا يجعل من الإفتاء وجها من وجوه الولاية العامة وهيعند أغلب الفقهاء القدامى ولاية الذكور دون النساء(1)، ولذلك أكّد المرجع الشيعي بشير النّجفي في فتواه شرط الذكورة، وهذا الشرط في علاقته بالإفتاء كان (ومازال) محلّ خلاف بين العلماء، ولقد أقرّ ابن الصّلاح «لا يشترط في المفتي الحرية والذكورة وينبغي أن يكون كالراوي … فالمفتي في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص .. »(2)

* يكاد يجمع أهل الإفتاء المعاصرون - على غرار القدامى - على اشتراط الاجتهاد في الإفتاء، وهذا الشرط وإن بدا طبيعيا فإنّه يعكس غموضا واضطرابا، فمفهوم

(1) ـ يمكن للتوسع في مسألة ولاية المرأة العامة مراجعة كتاب «الولاية العامة للمرأة في الفقه الإسلامي»، لمحمد القضاة، دار النفائس للنشر والتوزيع، 1997

(2) ـ ابن الصلاح، آداب المفتي والمستفتي، ص106

١٤٢ / ٣٤١