مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٨

الاجتهاد مختلف فيه لا في الفضاء السني فحسب بل عند مختلف المجموعات الإسلامية، ولئن ميّز القدامى بين مراتب للاجتهاد، فإنّنا لا نجد ذكرا لها في الفتاوى التي نشتغل عليها، ولقد ميّز حسن محمد الملاح بين عدّة أصناف من المفتين وتعمّق في ذكرها وبيان أعلامها فميّز بين «المجتهد المستقل المطلق» و «المفتي المجتهد في نوع من العلم» و «المفتي المجتهد المقيّد» و «المفتي المجتهد في المذهب أو مجتهد التخريج» و «المفتي المجتهد المرجع أو مجتهد الفتيا» و «المفتي المقلّد» و «المفتي الذي يفتي بكتاب» … ولئن تعددت أصناف «المفتين» في التراث الإسلامي فإنّ فتاوى رسالة عمّان تحاول حصر المتعدد وتوحيد المتنوّع وترسيخ نمط واحد من الإفتاء يضطلع به مراجع الدين وعلماء المذاهب المعترف بهم وبمرجعيتهم. وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن خلفية هذا الاستصفاء، وعلى أيّ أساس وقع ترشيح هذا الخيار ليكون الخيار الأمثل والأوحد؟

* يبدو أنّ أصحاب الفتاوى كانوا يسعون بكلّ جهد إلى محاربة فتاوى «غير المختصين» كما يسمونهم، والحدّ من «فوضى الإفتاء» التي أصبحت جزءا من المشهد الثقافي الإسلامي، ولذلك كان الإصرار على إزالة غطاء الشرعية على هذه الفتاوى المزعجة بين أبناء الملّة الواحدة، وعلى هذا الأساس انتقد أصحاب الفتاوى من يزاحمهم الاختصاص ويشاركهم الجمهور المستهدف من إفتائهم بدرجات متفاوتة، وحجتهم في ذلك - كما يقول أحمد الخليلي - أنّ «من لم يكن أهلا لذلك فهو ليس أهلا للفتيا، لأنّه إلى الجهل أقرب منه إلى العلم، وإلى العمى أدنى منه على البصيرة، فلا يؤمن منه أن ينقاد للشيطان فيقول ما ليس له به علم وذلك قرين الفحشاء والمنكر»(1) بل نجده يقرنهم بـ «الإثم والبغي» الناتج عن «الاقتحام على الفتيا بدون بصيرة»، ولم يجد القرضاوي بدّ من التذكير بـ «إنكار السلف على من أفتى بغير علم» وذلك أنّ السلف كانوا «ينكرون أشدّ الإنكار من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهّل لها»(2)، والملاحظ أن الحديث عن «حمى الفتوى» يحمل من التقديس والتعظيم ما يذكّرنا بحمى الدين وحمى الوطن … وهذا يعني أنّ الفتاوى بما هي نصوص ظنية قائمة على التأويل والاجتهاد تحوّلت إلى نصوص قطعية لا

(1) ـ فتوى الخليلي، ن، م

(2) ـ فتوى القرضاوي، ن، م

١٤٣ / ٣٤١